
تعد قضية تناقض الروايات مع القرآن الكريم من أخطر الإشكاليات المنهجية التي أفرزت التشرذم الفكري والمذهبي في المجتمعات الإسلامية المعاصرة.
فقد أرسى النص القرآني قاعدة معرفية صلبة تقضي بأن الكتاب الإلهي كامل ومفصل. كما أنه مهيمن على كل حديث أو نص بشري سواه.
وتؤكد الدراسات التاريخية الموثقة في الموسوعة البريطانية حول علم الحديث أن تدوين الروايات لم يبدأ رسمياً إلا في القرنين الثاني والثالث الهجريين. علاوة على ذلك،
شهدت القرون الأولى تكاثراً هائلاً للمرويات المختلقة لخدمة الصراعات السياسية والانقسامات المذهبية والثقافات الوافدة.
وتسلط الأبحاث الفكرية والنقدية المعاصرة الضوء على ضرورة الفصل المنهجي بين الوحي القرآني القطعي وبين التراث التاريخي البشري.
تناقض الروايات مع القرآن بين قطعية الوحي وظنية النقل
يتجلى خطر إغفال تناقض الروايات مع القرآن حينما يتم رفع أخبار الآحاد الظنية إلى مرتبة مساوية أو ناسخة للنص القرآني القطعي.
فبينما دون القرآن الكريم وحفظ بالتواتر المطلق في حياة النبي محمد،
اعتمدت الروايات لعقود طويلة على النقل الشفهي الفردي والظن.
وقد أقر القرآن الكريم كفايته التشريعية والعقائدية المطلقة، مستنكراً البحث عن مصادر تشريعية موازية في قوله تعالى:
“أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.”
التركيز التاريخي على السند وإهمال نقد المتن
وبالإضافة إلى تأخر التدوين، توضح المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف في مبحث نقد المتن أن المحدثين انشغلوا غالباً بفحص سلاسل الرواة (الإسناد).
وقد أشار المفكر أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) إلى أن الاقتصار على نقد الرجال أدى لتمرير متون تصادم العقل والتاريخ والقرآن. من ناحية أخرى،
وضع العلماء المحققون قاعدة نقدية تقضي بأن كل رواية تخالف العقول وتناقض الأصول القرآنية فهي موضوعة مردودة.
خطورة تقديس المرويات التاريخية على المجتمعات اليوم
ونتيجة لتقديس المرويات المتناقضة، تعاني المجتمعات اليوم من انقسام طائفي حاد؛ إذ يمتلك كل مذهب مدوناته الحديثية الخاصة. هذه المدونات تكفر الآخر.
كما يؤدي تقديم الرواية التاريخية على المحكم القرآني إلى تشويه صورة الإسلام السمحاء وإعاقة النهضة العلمية والحقوقية في العالم العربي.
وهكذا، فإن استعادة وحدة الأمة وسلمها الاجتماعي تبدأ بالعودة الصادقة إلى القرآن الكريم باعتباره المصدر العقائدي والتشريعي الأوحد.




