
يمثل التعصب المذهبي والتقليد الأعمى أحد أخطر العوامل التاريخية التي أصابت المجتمعات الإسلامية بالشلل الفكري والتراجع الحضاري المزمن. فبحسب القراءة التاريخية المنشورة في دراسات أثر المذاهب على تخلف الأمة فكرياً، نشأت المدارس الفقهية كاجتهادات بشرية مرتبطة بظروف عصرها. علاوة على ذلك، تحولت هذه المذاهب مع مرور القرون وبدعم من السلطات السياسية إلى أطر مقدسة ومغلقة. ونتيجة لذلك، أصبحت أقوال الفقهاء والروايات المذهبية في التراثين السني والشيعي تُقدم عملياً على النص القرآني القطعي.
وفي السياق ذاته، استغلت الأنظمة الحاكمة عبر التاريخ حالة الانقسام المذهبي لتثبيت نفوذها وإضعاف أي حركة إصلاحية واعية. فقد جرى تكريس ثقافة التقليد وإغلاق باب الاجتهاد العقلي المباشر بحجة تعقيد العلوم الفقهية وتقديس الأئمة والمرجعيات. ولذلك، أنتج التعصب المذهبي والتقليد أجيالاً تابعة تخشى إعمال العقل وتتعامل مع المذاهب البشرية كأنها أديان موازية.
خرافات الانتظار وتكريس التعصب المذهبي والتقليد
من جهة أخرى، لم يقتصر الضرر التراثي على الجمود الفقهي، بل امتد ليشمل ترسيخ الأساطير الغيبية المشتركة بين المذاهب المختلفة. وتبرز في هذا الإطار الدراسات النقدية لأسطورة ظهور المهدي ونزول المسيح التي نقضت هذه المرويات التراثية بميزان القرآن. وبالإضافة إلى ذلك، يوضح قسم ايدولوجيا كيف تتصادم خرافة المنقذ الخارق مع مبدأ خاتمية النبوة والمسؤولية البشرية.
وعلاوة على ذلك، أدى الإيمان الشعبي بانتظار المهدي في الموروثين السني والشيعي إلى نشر ثقافة التواكل والقعود عن العمل. فبدلاً من تشخيص أسباب التخلف وبناء دولة القانون والمؤسسات العلمية، ركنت المجتمعات إلى انتظار معجزة غيبية تملأ الأرض عدلاً. وفي المقابل، استغلت القوى الاستعمارية والحركات المتطرفة هذه العقيدة الخرافية لتجنيد الأتباع وإشعال الحروب الطائفية المدمرة في المنطقة.
وبناءً على ذلك، فإن التحرر من سطوة التعصب المذهبي والتقليد يمثل الشرط الأول لأي نهضة فكرية واجتماعية حقيقية. ولذلك، يتوجب على الدول والمجتمعات المعاصرة تجاوز الفقه المذهبي الموروث وإعادة بناء تشريعاتها المدنية على أساس المقاصد والمنافع. وهكذا ينتهي عصر التعصب المذهبي والتقليد حين يستعيد المجتمع وعيه النقدي وصلته المباشرة بقيم العدل والعلم والعمل.



