المذاهب وخرافاتها

السلفية المدخلية في العراق: مفارقة طاعة الحاكم المتغلب وخطرها الكامن على الحريات العامة

قراءة تحليلية في تقاطعات السلفية الجهادية والمدخلية ومخاطر رهن حقوق المجتمع بتوجهات السلطة

السلفية المدخلية في العراق وتقاطعها العقدي مع الجهادية

أفادت مراكز أبحاث استراتيجية ومصادر أكاديمية مطلعة بأن ظاهرة السلفية المدخلية في العراق تثير جدلاً فكرياً وأمنياً واسعاً. وتنقسم الحركة السلفية عموماً، وفق تصنيف الموسوعة البريطانية (Britannica)، إلى تيارين رئيسيين يشتركان في الأصول الفقهية والعقدية. القسم الأول هو السلفية الجهادية بمختلف فصائلها المسلحة، التي يكفر بعضها بعضاً وتكفر المسلمين وغير المسلمين وتستحل دماءهم. علاوة على ذلك، شهد المجتمع العراقي نماذج دامية لتلك الفصائل خلال أحداث عام 2014 في العراق.

أما القسم الثاني فهو التيار المدخلي، الذي يتشابه مع السلفية الجهادية في كافة المسائل الفقهية والعقدية المتشددة. ولكن هذا التيار يتميز بتشديده المطلق على طاعة الحاكم، حتى لو كان ظالماً يضرب الظهر ويأخذ المال. وفي السياق ذاته، يستدل أتباع هذا المنهج في خطبهم ومؤلفاتهم بالمقولة المنسوبة للتراث السياسي:

«تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع».

وبالإضافة إلى ذلك، يروج البعض داخل البلاد لفكرة أن السلفية المدخلية في العراق ليست خطيرة لأنها تحرم الخروج. إلا أن هذا الطرح يغفل حقيقة جوهرية، وهي أن طاعة الحاكم لا تعني الاعتدال أو رفض فرض الوصاية.

مفارقة طاعة الحاكم المتغلب وسيناريو عام 2014

ومن جهة أخرى، كشفت دراسة صادرة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي طبيعة العقيدة السياسية للتيار المدخلي. حيث يؤكد أتباع هذا التيار مبدأ “طاعة الحاكم المتغلب”، أي الذي ينتزع السلطة بالقوة العسكرية والأمر الواقع. فلو انتصرت الجماعات الجهادية على الحكومة العراقية عام 2014، لاعتبرها أتباع السلفية المدخلية في العراق سلطة شرعية متغلبة. ونتيجة لذلك، كان أتباع هذا التيار سيدعون الشعب العراقي حينها إلى طاعة تلك الجماعات بوصفها “الحاكم المتغلب”. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة؛ فالفصائل التي يعارضونها خارج الحكم تصبح بعد استيلائها على السلطة إمارة تجب طاعتها شرعاً. وقد لخص الباحث في معهد كارنيغي فريدريك ويهري هذا المبدأ السياسي المتقلب بنقله تصريح المتحدث السلفي عبد الرؤوف كارة:

“وفقاً للعقيدة السلفية المدخلية، يجب على المرء إطاعة ولي الأمر المتغلب في أي إقليم يقيم فيه.”

المقارنة بالتجربة السعودية ومستقبل الحريات في العراق

وفي المقابل، ينسحب هذا التناقض الفقهي على ممارساتهم الاجتماعية التي تتغير بتغير أوامر الحاكم وتوجهاته السياسية. فقد تبدو طاعة الحاكم إيجابية ظاهرياً حين يمنعهم من فرض تشددهم، كما توثق دراسات الإصلاحات السعودية الحديثة. إذ نراهم اليوم يشاهدون فعاليات “موسم الرياض” الترفيهية ويلتزمون الصمت التام تجاهها لأن الحاكم أمرهم بذلك. ولكن هذه الطاعة تصبح مصدر قلق بالغ إذا جاء حاكم يتبنى أفكارهم ويمنحهم الصلاحية لفرضها قسراً.

علاوة على ذلك، وثقت الموسوعة البريطانية حول المجتمع السعودي ممارسات “هيئة الأمر بالمعروف” قبل تقليص صلاحياتها عام 2016. حيث كانت الهيئة تتدخل في الحياة اليومية للمواطنين، ومن بينها ضرب من لا يصلي بسماح مباشر من الحاكم. وهو سلوك إكراهي يتناقض صراحة مع المبدأ القرآني الأصيل الذي يصون حرية الإنسان وكرامته:

قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [سورة البقرة: 256].

وبناءً على ذلك التحليل المنشور في قسم صحافة ورأي، فإن المشكلة ليست في طاعة القانون بحد ذاتها. بل تكمن الأزمة في رهن حقوق الناس وحرياتهم بمزاج الحاكم، وهو ما يجعل السلفية المدخلية في العراق خطراً كامناً. فما يمنع هذا التيار حالياً من فرض تشدده الفقهي على العراقيين في أمن ومجتمع هو موقف السلطة الحالية فقط. ولذلك، لو جاء مستقبلاً حاكم متغلب يتبنى أفكارهم الفقهية، فسيمنحهم السلطة لقمع المجتمع كما حدث قبل عام 2016.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى