
شكلت الروايات المصادمة للعقل والعلم عائقاً معرفياً خطيراً أمام تقدم البحث العلمي وترسيخ التفكير المنطقي في المجتمعات الإسلامية. فالقرآن الكريم أسس منهجاً عقلياً صارماً يقوم على البرهان والمشاهدة، ويرفض اتباع الظنون والأوهام التي لا تستند إلى علم يقيني. غير أن المدونات التراثية حملت بين طياتها مرويات آحاد وإسرائيليات تتعارض مع الحقائق الفلكية والطبية ومع عصمة مقام النبوة. وتوثق دراسة نقد المتن بوزارة الأوقاف اعتراضات كبار العلماء والمصلحين على هذه المتون المشكلة عبر التاريخ الإسلامي.
الروايات المصادمة للعقل والعلم وموقف القرآن من السحر والخرافة
تتجلى خطورة الروايات المصادمة للعقل والعلم في المرويات التي تزعم تعرض النبي للسحر وتأثير ذلك على إدراكه، وهو ما يقدح بالوحي. فقد فند الإمام محمد عبده والشيخ رشيد رضا والفقيه الجصاص هذه الرواية لأنها تصدق افتراء المشركين الذين كذبهم القرآن صراحة. وأكد القرآن الكريم عصمة الرسول وتنزيه عقله ووحيه عن أوهام السحرة والمشعوذين في قوله تعالى:
“وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا.”
منهج الإمام محمد عبده وابن الجوزي في رد المتون المخالفة للسنن
وبالإضافة إلى نفي السحر عن النبوة، وضع الإمام محمد عبده قاعدة أصولية تقضي بأن القرآن مقطوع به بينما الآحاد ظنية. فلا يجوز علمياً ولا عقائدياً إثبات أمر يمس العقيدة أو يناقض السنن الكونية الثابتة بالاعتماد على خبر آحاد ظني الثبوت. ومن ناحية أخرى، أشار الألوسي وأحمد أمين إلى إشكالية الروايات التي تصور الظواهر الفلكية والطبيعية على نحو يخالف المشاهدة التجريبية.
خطورة إشاعة الدجل والطب الشعبي الموهوم في المجتمعات الحديثة
ونتيجة لترويج تلك الروايات دون تمحيص عقلي، انتشرت في المجتمعات المعاصرة ظواهر الدجل والشعوذة وادعاء علاج الأمراض العضوية بالخرافات. وتوضح الموسوعة البريطانية في مبحث المتن أن إخضاع النصوص التاريخية للنقد العقلي والعلمي ضرورة لحماية الوعي العام. وهكذا، فإن احترام السنن الكونية والأخذ بالأسباب العلمية والتجريبية هو التطبيق الحقيقي لتعاليم القرآن الكريم في عمارة الأرض.




