الاسلام

تجفيف منابع الإرهاب: ماذا نتعلم من كتاب محمد شحرور وكيف نطبقه في العراق؟

يتردد شعار تجفيف منابع الإرهاب بعد كل هجوم دموي. لكن الأسئلة الأصعب تأتي بعده: ما هي هذه المنابع، وأين تقع؟ يقدّم المفكر السوري محمد شحرور جواباً في كتاب يحمل العنوان نفسه. ونلخص هنا أفكاره الرئيسية، ثم نربطها بالتجربة العراقية بعد عام 2014.

من هو محمد شحرور وما فكرة كتابه؟

محمد شحرور مهندس مدني سوري وُلد في دمشق عام 1938، ودرّس الهندسة في جامعة دمشق. وبدأ كتاباته عن القرآن بعد عودته من موسكو، وأصدر عام 1990 كتابه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة». وتوفي في أبوظبي عام 2019 بعد جدل واسع حول أفكاره.

أما كتابه «تجفيف منابع الإرهاب» فيطرح أسئلة مباشرة. هل الإسلام مسؤول عن الإرهاب، أم الفقه التاريخي الذي صنعه البشر ليلائم أنظمة سياسية؟ وهل يكفي القضاء على الحركات المتطرفة؟ وهل تكفي الحروب والقوة المسلحة؟ ويذكر وصف الكتاب لدى مكتبة جرير أن الطبعة الجديدة المنقحة تضمنت تعديلات مهمة، خاصة حول سورة التوبة.

لماذا يرى شحرور أن المشكلة فكرية قبل أن تكون أمنية؟

ترى مراجعات القراء أن الكتاب ينطلق من أن الإرهاب منبعه فكري، وأساسه انحراف في فهم النص. ويقول شحرور إن العنوان الأدق بمصطلحات القرآن هو «نحو تجفيف منابع الطغيان والإرعاب في الثقافة الإسلامية».

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن المواجهة الأمنية ضرورية لكنها لا تكفي. فإذا بقيت الأفكار التي تبرر العنف، عادت الجماعات بأسماء جديدة. لذلك تبدأ فكرة تجفيف منابع الإرهاب عند شحرور بمراجعة المفاهيم قبل ملاحقة المسلحين.

أربعة مفاهيم يعيد الكتاب قراءتها

أولاً: الجهاد والقتال والقتل. يتناول الكتاب الفرق بين هذه المصطلحات. ويقول أحد المتأثرين بشحرور، في تعليقات نقلتها عربي21، إنه قدّم تفسيراً إنسانياً وعقلانياً جديداً لآيات القتال في سورتي التوبة والأنفال، وخصص لها فصلاً كاملاً.

ثانياً: سورة التوبة. يقرأ الكتاب هذه السورة بوصفها خبراً عن حدث بعينه، لا تشريعاً عاماً ولا أوامر ونواهي دائمة، بحسب مقتطف نقله قارئ عن الكتاب على موقع أبجد.

ثالثاً: الولاء والبراء والردة. تتطرق فصول الكتاب إلى هذين المفهومين، وكذلك إلى الناسخ والمنسوخ ومقاصد الشريعة، بحسب عرض أحد القراء. ويرى ناقد أكاديمي أن شحرور أزاح عقيدة الولاء والبراء وأعاد تفسير الردة.

رابعاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يبحثه الكتاب ضمن إعادة تعريف المصطلحات، لأن فهمه الخاطئ قد يتحول، في نظر شحرور، إلى وصاية على الناس وعنف باسم الدين.

خطوات عملية لتجفيف منابع الإرهاب في العراق

عاش العراق التجربة بكل قسوتها بعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش عام 2014. وأعلنت الحكومة النصر العسكري عليه في كانون الأول 2017. لكن النصر العسكري لا يعني زوال الأفكار. وانطلاقاً من فكرة شحرور يمكن اقتراح هذه الخطوات:

  • مراجعة المناهج الدينية والتعليمية بإشراف علمي مستقل، لإزالة ما يحرّض على العنف أو التكفير.
  • تفعيل المادة 7 من الدستور التي تحظر نهج التكفير والإرهاب، مع حماية حرية الفكر والضمير التي تكفلها المادتان 37 و42.
  • فتح نقاش علني حول التراث، حتى لا يبقى نقده محرماً. وقد تناول موقعنا روايات التطرف والعنف وحرية الاعتقاد في القرآن.
  • توفير فرص تعليم وعمل للشباب، فأكثر من 61% من العراقيين دون الثلاثين، أي نحو 28.7 مليون شخص، بحسب تقرير شفق نيوز.
  • ترسيخ المواطنة المتساوية بدل الهويات الطائفية، كما في تجربة أوروبا بعد الحروب الطائفية.

دور التعليم والإعلام في تجفيف المنابع

تبدأ الأفكار في الصف والمنبر والشاشة قبل أن تصل إلى السلاح. لذلك يركز مشروع تجفيف منابع الإرهاب على بناء العقل النقدي. فالطالب الذي يتعلم السؤال والمقارنة يصعب أن يقتنع بخطاب يحرّم عليه التفكير.

ويمكن للإعلام أن يسهم أيضاً. فبدل تضخيم صور التنظيمات، يستطيع عرض قصص الناجين، وتحليل الخطاب المتطرف، وفتح منابر للباحثين المختلفين. كما تحتاج المساجد والمؤسسات الدينية إلى خطاب يقدّم الرحمة والتعايش ويرفض التكفير. وهذه مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع ورجال الدين.

ويبقى الإنصاف مطلوباً. فلا يصح تحميل فكرة واحدة مسؤولية ظاهرة معقدة، إذ تتداخل فيها السياسة والفقر والتدخل الخارجي والفساد.

وتبقى التجربة العراقية دليلاً عملياً. فالمدن التي أُعيد إعمارها دون إصلاح فكري ومجتمعي تظل معرضة للانتكاس. أما الاستثمار في الإنسان فهو الضمان الأطول عمراً.

ما يقوله منتقدو الكتاب

تعرّض شحرور لنقد واسع. ففي رسالة جامعية نُشرت في مستودع جامعة قطر عام 2023، يرى الباحث عبد الرحمن حسين محمد أن الكتاب حرّف معاني آيات الجهاد والشهادة، وروّج لفصل الدين عن الدولة. ويتهمه أيضاً بتجاوز فهم العلماء السائد على مدى القرون.

وفي المقابل، رأى أحد قراء الكتاب أن معظم محتواه تكرار لما ورد في كتبه السابقة. ولذلك ينبغي قراءة الكتاب نفسه، وقراءة الاعتراضات عليه، قبل الحكم على أطروحته.

خلاصة القول

لا يمكن تجفيف منابع الإرهاب بالسلاح وحده. فالقوة تقضي على التنظيمات، لكن التعليم والخطاب الديني والحرية الفكرية تحدد ما إذا كانت ستعود. وسواء اتفقنا مع شحرور أو اختلفنا معه، يبقى سؤاله مشروعاً: ماذا نفعل بالأفكار التي تغذي العنف؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى