
تتصدر قضية حجية السنة الجدل الفكري في العالم الإسلامي منذ قرون. وفي هذا المقال نعرض أهم ثلاث حجج يسوقها المدافعون عنها، ثم الردود القرآنية عليها كما يعرضها الباحث سامر إسلامبولي. وقد اعتمدنا في مادة المقال على ما نشره الباحث على موقعه الرسمي حصراً، وبخاصة مناظرته المعنونة «حوار ومناظرة بين حنيف ومعتزلي».
ما المقصود بالنزاع حول حجية السنة؟
المقصود بالحجية أن يكون قول الرسول وفعله وتقريره مصدراً ملزماً في الدين. وفي المناظرة المنشورة على موقع إسلامبولي، قال المحاور المعتزلي الدكتور محمد رياض إنه يدافع عن السنة من حيث المبدأ، لا عن كتب الحديث كالبخاري ومسلم.
في المقابل يميّز إسلامبولي بين السنة والحديث. ويرى أن القرآن لم يضف كلمة «السنة» أو «الحديث» إلى النبي أو إلى محمد، بل ذكر «سنة الله» و«حديث الله». أما السنة عنده فطريقة عملية متتابعة في الأمة، كالصلاة والحج، بلا سند ولا عنعنة.
الحجة الأولى حول حجية السنة: آيات الطاعة والاتباع
يستدل المدافعون بآيات تأمر بطاعة الرسول واتباعه. ومنها «فاتبعوني يحببكم الله» في آل عمران (31)، و«أطيعوا الله وأطيعوا الرسول» في النساء (59)، و«من يطع الرسول فقد أطاع الله» في النساء (80). ويقولون إن الله إذا أمر بطاعة رسوله، فقد جعل قوله وفعله ملزماً.
رد إسلامبولي:
- الاتباع في آل عمران 31 هو اتباع الرسالة التي نزلت عليه، لا شخصه البشري. والخطاب موجّه إلى المؤمنين بعد وفاته أيضاً.
- الطاعة للرسول فيما نزل عليه، ومهمته التلاوة والتبليغ لا التشريع.
- كان الصحابة المعاصرون يسألونه: أهذا وحي أم رأي في الحرب والمكيدة؟ وهذا يدل عنده على أن ليس كل قول له تشريعاً.
- عطف «أولي الأمر» على الرسول دون تكرار فعل الطاعة يدل عنده على أنها من جنس واحد، في تنظيم شؤون الدنيا.
الحجة الثانية: آية البيان والعصمة العقلية
تستند هذه الحجة إلى قوله تعالى في سورة النحل (44): «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم». فإذا كان الرسول مأموراً بالتبيين، فبيانه جزء من الدين. ويضيف أصحابها برهاناً عقلياً: الرسول معصوم في التبليغ، فيلزم أن يكون معصوماً في الشرح والتطبيق. وإلا كان الله عابثاً حين اختار رسولاً يخطئ في تفسير رسالته.
رد إسلامبولي:
- الآية السابقة (النحل 43) تقول: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون». فالذكر الأول هو الكتب السابقة، والذكر الثاني هو القرآن الذي يُستعمل لبيانها.
- التبيين عنده بمعنى الإظهار والتبليغ وعدم الكتمان، ويستشهد بآل عمران 187.
- القرآن نزل بلسان عربي مبين، فلا يحتاج شرحاً في نصوص مثل «حرمت عليكم أمهاتكم» و«حرمت عليكم الميتة».
- يفرّق بين مقام الرسول المعصوم في التبليغ، ومقام النبي البشري الذي يجتهد فيصيب ويخطئ. ويستدل بآيات العتاب في الأحزاب (1 و37) والتحريم (1) وسورة عبس.
- ويطلب برهاناً على الانتقال من عصمة التبليغ إلى عصمة التفسير والتطبيق.
الحجة الثالثة: ما آتاكم الرسول والأسوة والتحكيم
تجمع هذه الحجة ثلاث آيات. الأولى «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» (الحشر 7). والثانية «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» (الأحزاب 21). والثالثة «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم» (النساء 65).
رد إسلامبولي:
- آية الحشر 7 تُقرأ في سياقها، وهو سياق توزيع الفيء. فهي أمر ونهي في شؤون اجتماعية دنيوية، لا تشريع ديني عام.
- آية النساء 65 تأمر بالتحكيم لا بإصدار حكم تشريعي. والتحكيم بين الناس وفق ما أنزل الله يتولاه كل عالم وقاضٍ وحاكم بعد وفاة النبي.
- الأسوة في الأحزاب 21 هي القدوة بالأنبياء في المنهج والهدى والأخلاق، ويستشهد بقوله تعالى «فبهداهم اقتده» (الأنعام 90)، لا بالأحاديث.
ظنية نقد الحديث: حجة معرفية
إلى جانب الردود النصية، يقدّم إسلامبولي في دراسة إبستمولوجية في نقد الحديث حجة معرفية. فهو يرى أن قواعد تصحيح الحديث تجمع بين قواعد عقلية عامة، مثل استحالة السماع ممن مات قبل ولادة الراوي، وقواعد اصطلاحية وعرفية وتقديرية. ومن ثم تبقى نتيجة التصحيح ظنية احتمالية.
ولذلك لا يعني قول المحدّث «حديث صحيح» عنده أن النبي قاله يقيناً. ويذكر أن ابن الصلاح نفسه بيّن أن الصحة لا تعني القطع في نفس الأمر. وفي ملحق المناظرة قاعدة يستند إليها: «ما طرأ عليه الاحتمال بطل به الاستدلال». كما يرى أن ما لم يتعهد الله بحفظه لا يصح أن يكون ملزماً للناس.
ما الذي يبقى من السنة في نقاش حجية السنة؟
لا يعدّ إسلامبولي موقفه من حجية السنة إنكاراً لها، بل إعادة تعريف لها. وتتلخص رؤيته في كتابه مفهوم السنة غير الحديث في ثلاث نقاط:
- السنة طريقة عملية نقلتها الأمة بالممارسة المتتابعة، كالصلاة والحج.
- الحديث الذي صح متنه وشهد له القرآن يُقبل تابعاً وفرعاً، لا مصدراً مستقلاً للتشريع.
- كتب الحديث جهد بشري دُوّن في أزمنة متأخرة عن وفاة النبي، واختلفت شروط المحدثين في قبول الروايات.
وقد تناول موقعنا من قبل أثر المرويات المخالفة للقرآن في التكفير والعنف. كما ناقشنا مقالاً عن تسبيح الرعد بعيداً عن خرافات السنة والشيعة.
رأي مخالف يجب أن يُقرأ معه
يعرض هذا المقال قراءة إسلامبولي كما وردت على موقعه، ولا يغني عن قراءة ردود المخالفين في مصادرهم. فجمهور علماء المسلمين يعدّون السنة مصدراً تشريعياً ثانياً بعد القرآن، ويؤلفون في الرد على منتقدي حجيتها. ومن الإنصاف أن يقارن القارئ بين الطرحين قبل أن يحكم.
خلاصة القول
تدور قضية حجية السنة حول سؤال واحد: ما الذي يملك سلطة الإلزام في الدين؟ يرى المدافعون أن طاعة الرسول تقتضي إلزام سنته. ويرى إسلامبولي أن الإلزام للرسالة المحفوظة، وأن الحديث ظني لا يصلح أصلاً مستقلاً. وبين الرأيين، يبقى الاحتكام إلى القرآن والعقل والحوار الهادئ.




