
تطرح نهضة الدول الأوروبية الحديثة تساؤلاً جوهرياً أمام الباحثين في تاريخ الحضارات، وعلم الاجتماع السياسي. فقد عانت القارة الأوروبية طيلة قرون طويلة من مجاعات قاتلة، وحروب مذهبية وعرقية شديدة الضراوة. علاوة على ذلك، لم تكن أوضاع أوروبا في القرون الوسطى أفضل حالاً من واقع الشرق الأوسط اليوم. ولكن، نجحت المجتمعات الأوروبية في العبور نحو التحضر وحماية الحريات، بينما تعثرت دول مثل العراق وسوريا ولبنان وإيران.
جذور نهضة الدول الأوروبية الحديثة بعد الحروب الدينية
خاضت الشعوب الأوروبية (حرب الثلاثين عاماً) المدمرة، التي أهلكت ثلث سكان وسط أوروبا بسبب التعصب المذهبي. وفي السياق ذاته، أدركت النخب الفكرية والسياسية حينها أن فرض هوية دينية أو مذهبية واحدة بالسلاح مستحيل تماماً. ونتيجة لذلك، وقعت القوى المتصارعة معاهدة صلح وستفاليا عام 1648، لتأسيس مفهوم الدولة الوطنية الحديثة.
“لا تستقر الدول بتغليب طائفة على أخرى، بل بتحييد السلطة العامة، وإخضاع الجميع لقانون مدني واحد.”
وبناءً على ذلك، فصلت الدول الأوروبية بين المعتقد الديني الخاص، وبين حقوق المواطنة العامة أمام القضاء. وبالإضافة إلى ذلك، أسس فلاسفة عصر التنوير، مثل جون لوك ومونتسكيو، مبدأ الفصل بين السلطات لمنع الاستبداد.
لماذا تعثرت دول المشرق وإيران في تحقيق هذا التحول؟
تثبت المقارنة التاريخية أن العائق في العراق وسوريا ولبنان وإيران ليس دينياً أو جينياً، بل هو عائق سياسي ومؤسسي. ومن ناحية أخرى، ارتبطت السلطة في هذه البلدان إما بالمحاصصة الطائفية كما في لبنان والعراق، أو الأيديولوجيا المغلقة كما في إيران. ونتيجة لذلك، تحولت موارد الدولة إلى غنائم تتقاسمها الجماعات الفرعية، بدلاً من بناء مؤسسات وطنية محايدة تحمي الجميع.
دور العقد الاجتماعي في حماية الحقوق والحريات
اعتمدت نهضة الدول الأوروبية الحديثة على إحلال (رابطة المواطنة الدستورية) محل روابط العشيرة، والطائفة، والقومية المتطرفة. وفي هذا الإطار،ضمنت الدساتير الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية حقوق الأقليات، وجرمت التمييز العنصري والإقصاء السياسي. كما أوضحت الدراسات التاريخية حول تطور أوروبا أن الاستقرار الاقتصادي تبع الاستقرار الدستوري، ولم يسبقه.
وفضلاً عن ذلك، تفتقر دول مثل سوريا ومصر والعراق إلى آليات التداول السلمي للسلطة، واستقلالية القضاء التامة عن النفوذ السياسي. ولذلك، يظل المواطن في تلك الدول يبحث عن الحماية داخل طائفته أو عشيرته، لغياب دولة القانون الحامية. وختاماً، تؤكد نهضة الدول الأوروبية الحديثة أن التحضر يبدأ حين تصبح الدولة حكماً عادلاً، لا خصماً أيديولوجياً أو طائفياً.




