الاسلام

حياة الإنسان وحريته في القرآن: لماذا تتقدم كرامة النفس وحريتها على الأرض؟

قراءة قرآنية خالصة في تقديم حرية الاختيار وحفظ النفس البشرية على صراعات الأوطان والعقائد

تتصدر حياة الإنسان وحريته قمة المقاصد العليا التي قررها الله سبحانه وتعالى في آيات القرآن الكريم. وعندما يثور التساؤل الفلسفي والديني: أيهما أولى بالتقديم، العقيدة أم الوطن؟ يأتي الجواب القرآني حاسماً وواضحاً. علاوة على ذلك، يجعل النص القرآني كرامة النفس البشرية، وحريتها في الاختيار والحياة، فوق كل اعتبار مادي. ونتيجة لذلك، لا قيمة لعقيدة تفرض بالإكراه، ولا قداسة لأرض تُزهق فيها الأرواح تحت وطأة الاستضعاف.

كيف تتقدم حياة الإنسان وحريته على الإكراه في العقيدة؟

أسس القرآن الكريم مبدأ حرية الإرادة الإنسانية، ورفض كافة أشكال الوصاية القسرية أو الإجبار على الإيمان. وفي السياق ذاته، لو أراد الله عز وجل خَلْق البشر على عقيدة واحدة، لفعل ذلك بمشيئته المطلقة. ولكن، شاءت الحكمة الإلهية أن يكون الإيمان ثمرة اقتناع حر، كما ورد في سورة يونس الآية 99 بنصها المحكم:

﴿وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ﴾ [يونس: ٩٩]

وبناءً على ذلك، يخاطب الله نبيه الكريم باستفهام إنكاري يمنع إكراه الناس على الدخول في العقيدة. وبالإضافة إلى ذلك، تثبت هذه الآية الكريمة أن حرية الإنسان في الاختيار تسبق العقيدة ذاتها في الترتيب الوجودي. فلا يصح الإيمان أصلاً إذا صودرت حرية صاحبه، لأن القبول القلبي الحر هو شرط التكليف الإلهي.

حياة الإنسان أثمن من البقاء في وطن الاستضعاف

حسم القرآن الكريم كذلك جدلية التعلق بالأرض والوطن حين يتعارض البقاء فيهما مع كرامة الإنسان وأمنه وحياته. ومن ناحية أخرى، اعتبر الله سبحانه الذين يرضون بالذل والاضطهاد في أوطانهم، مع قدرتهم على المغادرة، ظالمين لأنفسهم. وقد جاء هذا البيان الإلهي الصريح في سورة النساء الآيات 97-98 لتقرير أولوية النجاة بالنفس:

﴿إِنَّ الَّذينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمي أَنفُسِهِم قالوا فيمَ كُنتُم قالوا كُنّا مُستَضعَفينَ فِي الأَرضِ﴾ [النساء: ٩٧]

﴿قالوا أَلَم تَكُن أَرضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِروا فيها فَأُولئِكَ مَأواهُم جَهَنَّمُ وَساءَت مَصيرًا﴾ [النساء: ٩٧]

﴿إِلَّا المُستَضعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالوِلدانِ لا يَستَطيعونَ حيلَةً وَلا يَهتَدونَ سَبيلًا﴾ [النساء: ٩٨]

ونتجية لذلك، يأمر الخالق عباده بهجران الوطن الضيق إلى أرض الله الواسعة، حفظاً لحياتهم وحريتهم وكرامتهم الإنسانية. وفضلاً عن ذلك، لم يعذر القرآن إلا العاجزين تماماً من الرجال والنساء والولدان، الذين لا يملكون حيلة ولا طريقاً للنجاة. ولذلك، تتقدم حياة الإنسان وحريته في الميزان القرآني على قداسة التراب والحدود الجغرافية.

القتال في القرآن حالة اضطرار وكره مشروطة بالتمكين

يصور البيان الإلهي السلم والأمان بوصفهما الأصل الفطري والوضع الطبيعي لحياة المجتمعات البشرية على الأرض. وفي هذا الإطار، لم يشرع الله القتال والدفاع عن الأرض كغاية محبوبة، بل كحالة اضطرارية مكروهة للفطرة السليمة. علاوة على ذلك، لا يفرض هذا الدفاع الاضطراري إلا بعد تحقق القدرة والتمكين، مصداقاً لما جاء في سورة البقرة الآية 216:

﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتالُ وَهُوَ كُرهٌ لَكُم وَعَسى أَن تَكرَهوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُم﴾ [البقرة: ٢١٦]

﴿وَعَسى أَن تُحِبّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]

وبالإضافة إلى ذلك، يصف الله القتال بأنه (كُرْهٌ لَكُمْ)، لأنه يناقض فطرة حب البقاء وعمارة الأرض وصون الدماء. ومن ناحية أخرى، حين يفتقر الإنسان إلى التمكين والقدرة، فإن الواجب القرآني هو الهجرة وحفظ الحياة، لا إلقاء النفس في التهلكة. وختاماً، يثبت الكتاب العزيز أن حياة الإنسان وحريته هما الغاية الأسمى، التي شُرعت من أجلها الأحكام وحُفظت بها الكرامة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى