
يمثل تصحيح مفهوم الولاء والبراء خطوة جوهرية لتحرير الوعي الديني والاجتماعي من رواسب العصبية التاريخية الضيقة. فوفقاً للتحليل التأصيلي في أبحاث الفكر القرآني حول الولاء والبراء، ترتبط المسؤولية الإنسانية بالعمل الفعلي وحده. علاوة على ذلك، فإن تأييد الظالم لمجرد مشاركته لتصوراتنا أو خذلان العادل لاختلافه الفكري معنا يهدم ميزان الأخلاق. ونتيجة لذلك، يؤدي تقديم الانتماء الطائفي على قيمة العدل إلى تحويل الدين من رسالة رحمة إلى عصبية عمياء.
وفي السياق ذاته، يعتمد الميزان القرآني في تقييم البشر على سلوكهم العملي في إقامة العدل وحفظ الحقوق العامة. فلا يضيع أي عمل خير لأن فاعله يختلف عنا في المعتقد، ولا ينقلب الشر خيراً لأن مرتكبه ينتمي لجماعتنا. ولذلك، يتحدد مفهوم الولاء والبراء قرآنيّاً بوصفه مناصرة وتعاوناً على البر والتقوى، وامتناعاً حازماً عن الإثم والعدوان.
أثر مفهوم الولاء والبراء في ترسيخ السلم المجتمعي
من جهة أخرى، تكشف الدقة اللسانية في الخطاب القرآني عن فصل واضح بين ذات الإنسان وكرامته وبين عمله وسلوكه. فالآيات القرآنية توجه البراءة نحو الأفعال الفاسدة والممارسات الظالمة، دون نزع الإنسانية عن الفرد المخالف أو الحكم عليه بالعداء الأبدي. وبالإضافة إلى ذلك، تتيح هذه الرؤية المنشورة ضمن ملفات الإسلام بقاء باب الإصلاح والتقويم مفتوحاً أمام الجميع وفق تغير السلوك.
وعلاوة على ذلك، لا تقوم العلاقة مع الإنسان المختلف عقائدياً على تفتيش الضمائر أو محاكمة النوايا، بل ترتكز على المسالمة العملية. وتقضي القاعدة القرآنية المحكمة بالتعامل بالبر والقسط مع كل من لم يقاتل الناس في دينهم ولم يخرجهم من ديارهم. وفي المقابل، تفرض العدالة الإلهية قول الحق وإنصاف الخصم حتى في حالات الخلاف الشديد، لأن البغض لا يبيح الجور إطلاقاً.
وبناءً على ذلك، يتجسد مفهوم الولاء والبراء واقعياً في حفظ العهود والتكافل الاجتماعي ومكافحة الفساد والرشوة والاستغلال من أي جهة صدرت. ولذلك، يتوجب على المجتمع الواعي أخذ العلم النافع ومناصرة الحق أينما وُجد، ورفض الظلم والعدوان ولو صدر عن الأقربين. وهكذا يتحول مفهوم الولاء والبراء من أداة للفرقة والاحتراب إلى مبدأ أخلاقي يحمي كرامة الإنسان ويبني السلم المشترك.




