
أسفرت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 عن فوز واسع للحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في نتيجة قرأها كثيرون داخل الولايات المتحدة وخارجها على أنها استفتاء على الحرب مع إيران. فما الذي يمكن أن يتغير فعلاً في الشرق الأوسط؟ وما الأدلة التي يستند إليها المتفائلون والمتشائمون؟
يحاول هذا التقرير الإجابة عبر عرض الوقائع المؤكدة، ثم مواقف الأطراف، ثم أبرز ما يطرحه المحللون من سيناريوهات للأسابيع والأشهر المقبلة.
ماذا قالت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية؟
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، تشير الأرقام الأولية التي نشرتها قناة الجزيرة إلى حصول الديمقراطيين على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 44 للجمهوريين، مع مقعدين لم يُحسما بعد. أما في مجلس النواب، فقد تجاوز الديمقراطيون عتبة الأغلبية البالغة 218 مقعداً بفارق كبير، بينما لا تزال بعض الدوائر قيد الفرز.
وشملت المكاسب الديمقراطية ولايات صوّتت لترامب في انتخابات 2024، مثل تكساس وأوهايو وآيوا وكانساس. ومن المقرر أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية في الثالث من يناير 2027، وفق ما أشار إليه مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي.
الأدلة على أن حرب إيران حسمت التصويت
لم يعد ربط الهزيمة الجمهورية بالحرب مجرد تحليل من المعارضين. فقد اعترف الرئيس دونالد ترامب بأن الحرب كانت جزءاً من أسباب الخسارة، رغم تأكيده أنه سيتخذ القرار نفسه لو عاد به الزمن. في المقابل، كان نائبه جي دي فانس أكثر صراحة، إذ عزا الهزيمة إلى الحرب بشكل مباشر.
وتدعم الأرقام هذا الربط من عدة جهات:
- الكلفة المالية: قدّرت وزارة الدفاع الأمريكية كلفة الحرب على دافعي الضرائب بنحو 47 مليار دولار حتى الآن.
- أسعار الوقود: أدى تعطل الملاحة في مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار البنزين داخل أمريكا.
- شعبية الرئيس: أظهر استطلاع لرويترز وإبسوس عشية الانتخابات أن 32% فقط يؤيدون سياسات ترامب.
ومن الجدير بالذكر أن الحرب بدأت بضربات أمريكية إسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، ودخلت شهرها التاسع دون حسم. ولمتابعة خلفيات التصعيد الأخير، يمكن مراجعة تقريرنا عن التهديدات الأمريكية بضرب إيران وخطة الهجوم المسربة.
كيف قرأت طهران وتل أبيب النتائج؟
الموقف الإيراني: احتفاء مع حذر
رحّب المسؤولون الإيرانيون بالنتائج بوصفها رفضاً شعبياً أمريكياً للحرب. وكتب رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف أن الأمريكيين قالوا “لا للحرب”، معتبراً أي هجوم جديد خيانة لإرادة الناخبين.
لكن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ذهب في اتجاه مختلف، إذ رأى أن من يظن أن النتائج ستغير السياسة الأمريكية مخطئ تماماً. ويؤكد مسؤولون إيرانيون أن استراتيجيتهم لا تُبنى على الانتخابات الأمريكية، وأنهم يستعدون للحرب ويكثفون الدبلوماسية في آن واحد.
الموقف الإسرائيلي: ضغط لاستئناف الضربات
على الجانب الآخر، تشير تقارير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط على واشنطن لاستئناف الضربات. ويرى بعض المراقبين أن العودة إلى حرب شاملة قد تساعده على تشكيل حكومة طوارئ، بعد أن فقد هو وحلفاؤه أغلبيتهم البرلمانية في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.
ماذا يستطيع الكونغرس الجديد أن يفعل؟
بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، تعهد زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بإنهاء الحرب عبر “سلطة المال”، أي التحكم في تمويل العمليات العسكرية. غير أن الطريق ليس سهلاً، وذلك لأسباب عدة:
- الفيتو الرئاسي: لا يملك الديمقراطيون أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز فيتو الرئيس في المجلسين.
- قانون صلاحيات الحرب: يرى محللون أن هذا القانون، الصادر عام 1973، لم ينجح سابقاً في تقييد الرؤساء، ومن غير المرجح أن ينجح الآن.
- حساسية قطع التمويل: يحذر الباحث جيمس بويز من جامعة كوليدج لندن من أن قطع التمويل مع وجود قوات في الميدان سيُنظر إليه كتعريض لحياة الجنود للخطر.
في المقابل، يقترح براين فينوكين من مجموعة الأزمات الدولية أن أنجع وسيلة هي إرفاق حظر تمويل الحرب بتشريعات إنفاق لا يمكن للرئيس رفضها بسهولة. كما يتوقع خبراء مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي جلسات استماع مكثفة حول إدارة الحرب، وقيوداً محتملة على المساعدات العسكرية لإسرائيل، وتدقيقاً في صفقات استثمارية مع دول خليجية.
السيناريوهات المتوقعة بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية
السيناريو الأول: صفقة تفاوضية
تفيد تقارير بأن الوسطاء يعملون على إطار تتوقف بموجبه إيران عن استهداف الملاحة في مضيق هرمز، مقابل رفع الحصار الأمريكي عن موانئها. ويعزز هذا الاحتمال تراجع أسعار النفط إلى ما دون 100 دولار للبرميل بعد الانتخابات، مع رهان الأسواق على اقتراب نهاية الحرب.
السيناريو الثاني: ضربة كبيرة قبل يناير
تبقى أمام ترامب فترة حتى انعقاد الكونغرس الجديد. وقد لوّح بالحاجة إلى “فعل شيء كبير”، بينما نفذت القوات الأمريكية ضربة على جزيرة قشم عشية الانتخابات. وتحذر الباحثة في معهد تشاتام هاوس سنام وكيل من أن الضغط لإنهاء الحرب سيزداد، لكنه لا يلغي احتمال ضربات جديدة.
السيناريو الثالث: تشدد إيراني وحرب استنزاف
يرى حميد رضا عزيزي، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، أن شعور طهران بالانتصار سيجعلها أكثر تمسكاً بمطالبها، وأقل استعداداً لتقديم تنازلات في الملف النووي. وتشترط إيران حالياً وقف القتال على جميع الجبهات قبل إعادة فتح المضيق، وهو ما قد يطيل أمد المواجهة. وللاطلاع على الوضع الميداني في المضيق، راجع تقريرنا عن أمن الملاحة في مضيق هرمز.
ما الذي يعنيه ذلك للعراق؟
تمتد تداعيات انتخابات التجديد النصفي الأمريكية إلى العراق مباشرة، إذ يقف في قلب هذه المعادلة. فهو يعتمد على مضيق هرمز في تصدير معظم نفطه، كما تتعرض بغداد لضغوط أمريكية متواصلة لتفكيك الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. لذلك، فإن أي صفقة تعيد فتح المضيق ستخفف الضغط على الموازنة العراقية، بينما سيعني أي تصعيد جديد مزيداً من الخسائر والمخاطر الأمنية.
وقد تناولنا سابقاً حجم خسائر العراق الاقتصادية من الحرب الإقليمية، إضافة إلى خطة الحكومة لتحييد العراق عن صراع المحاور.
خلاصة القول
تمنح نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية خصوم الحرب في واشنطن أدوات ضغط حقيقية، مثل التمويل والرقابة وجلسات الاستماع. لكنها لا تمنحهم القدرة على إيقاف الحرب منفردين بسبب الفيتو الرئاسي. ومن ثم، يبقى القرار الحاسم في المدى القريب بيد ترامب وطهران، بينما سيظهر أثر الكونغرس الجديد تدريجياً بعد يناير 2027. وبين صفقة محتملة وضربة كبيرة واستنزاف طويل، تبقى المنطقة، والعراق في مقدمتها، أمام أسابيع حاسمة.




