الاسلام

الدولة المدنية والمواطنة المتساوية في المنظور القرآني

تكتسب قضية الدولة المدنية في الإسلام أهمية قصوى في النقاش المعاصر لتفكيك الخلط التاريخي بين السلطة السياسية والدين. فبحسب الرؤية المنهجية المنشورة في دراسات المجتمع والدولة والدين، تمثل الدولة نتاجاً ثقافياً واجتماعياً يعبر عن تطلعات المجتمع بأسره. علاوة على ذلك، يتطلب الفهم السليم التمييز الدقيق بين طبيعة السلطة التنفيذية وبين جوهر الرسالة الدينية في الحياة البشرية. ونتيجة لذلك، تتحدد وظيفة السلطة السياسية بكونها أداة إدارية وتنفيذية تقوم بطبيعتها على الإلزام القانوني لحفظ النظام العام.

وفي السياق ذاته، يقوم الدين في جوهره القرآني على الحرية التامة والاختيار الطوعي والتهذيب الأخلاقي دون أي إجبار مادي. ولما كان الإكراه والدين نقيضين لا يجتمعان أبداً، فإن الفصل الكامل بين السلطة السياسية والدين يعد ضرورة قرآنية وعقلية حتمية. ولذلك، ترفض فلسفة الدولة المدنية في الإسلام وجود أي سلطة كهنوتية أو وصاية دينية تحاسب الناس على ضمائرهم أو آخرتهم.

مرتكزات المواطنة في الدولة المدنية في الإسلام

من جهة أخرى، يطبق القانون الذي يرتضيه المجتمع في الدولة الوطنية الحديثة على جميع المواطنين بالتساوي التام دون استثناء. فالمواطنون كافة متساوون في الحقوق والواجبات أمام دولة القانون والمؤسسات بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الفكرية. وبالإضافة إلى ذلك، يتناول قسم الإسلام هذه الرؤية التنويرية التي تجعل جهاز الدولة ملكاً للمجتمع كله على أساس العقد الاجتماعي.

وعلاوة على ذلك، تتطابق القواعد الأربع للنظام الديمقراطي الحديث مع الأصول القرآنية الداعية للعدل والشورى وحفظ الحقوق. وتشمل هذه القواعد مبدأ المواطنة المتساوية، وحق المشاركة والاختيار، وحرية الاعتقاد المطلقة بما فيها حق الفرد في القبول أو الرفض. وفي المقابل، تكفل الدولة حرية ممارسة الشعائر والتعبير العلني السلمي مع تجريم كافة أشكال التمييز على أساس الجنس أو المذهب.

وبناءً على ذلك، تتحرك التشريعات التنظيمية للدولة داخل حقل المباح بما يحقق المصلحة العليا للمجتمع المتطور في كل زمان ومكان. ولذلك، لا تتدخل الدولة المدنية في الإسلام في التصورات الذهنية أو الحريات الشخصية للأفراد طالما التزموا بالقانون العام وعدم الإضرار بالآخرين. وهكذا تؤسس الدولة المدنية في الإسلام لمجتمع إنساني علمي يحتكم إلى الدستور ويحمي كرامة كل مواطن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى