
أدى تقديس العادات الشعبية في الخطاب المذهبي التقليدي إلى الخلط الخطير بين ثوابت الدين الإلهي وبين الأعراف الاجتماعية الزائلة. فوفقاً للبحث الأصولي المنشور في دراسة التواتر والتتابع بين الدين والعادات الشعبية، يجب التمييز الدقيق بين المفاهيم المعرفية. علاوة على ذلك، يدل مصطلح التواتر على تعاقب الأفراد زمنياً دون اشتراط وجود اتصال عملي مباشر أو تلقي حقيقي بينهم. ونتيجة لذلك، فإن تجميع أسماء الرواة في عصور متأخرة لا يحول الخبر الفردي القديم إلى حقيقة يقينية متصلة.
وفي السياق ذاته، يختلف التتابع العملي التعليمي المتصل بالأداء والمشاهدة، كتعلم هيئة الصلاة والحج، عن التتابع الشعبي للأعراف. فاستمرار ممارسة اجتماعية معينة وتوارثها بين الآباء والأبناء يثبت وقوعها التاريخي فقط، لكنه لا يمنحها أي شرعية دينية. ولذلك، وقع الفكر التراثي في خطأ فادح حين شرعن تقديس العادات الشعبية لمجرد شيوعها وتكرارها عبر الأجيال.
مخاطر تقديس العادات الشعبية على تطور المجتمعات
من جهة أخرى، حسم القرآن الكريم هذا الإشكال المنهجي بنقض حجية الوراثة الاجتماعية وتقليد الآباء المجرد من البرهان والعقل. فالانتقال من إثبات أن الناس اعتادوا فعل شيء معين إلى الزعم بأن الله أمرهم به يمثل افتراءً تشريعياً صريحاً. وبالإضافة إلى ذلك، يبرز قسم ايدولوجيا كيف استُخدم هذا الخلط لفرض تقاليد ذكورية وقبلية متخلفة باسم الشريعة.
وعلاوة على ذلك، لا تكتسب أي فكرة أو ممارسة شعبية صفة الصواب لمجرد كثرة أتباعها أو تقادم الزمن عليها. فطول الأمد التاريخي لا يحول الخطأ الاجتماعي إلى صواب، كما أن الاعتياد الشعبي في الموروثين السني والشيعي لا ينشئ حكماً إلهياً. وفي المقابل، تبقى القيم الكلية والوصايا الأخلاقية محكومة حصراً بمرجعيتها القرآنية العليا القائمة على العدل والرحمة.
وبناءً على ذلك، تسبب تقديس العادات الشعبية في تجميد حركة المجتمع وإعاقة تحديث القوانين المدنية وحماية حقوق المرأة والإنسان. ولذلك، يتوجب عرض كافة الأعراف والموروثات الاجتماعية على ميزان العقل والنص القرآني المهيمن لتنقيتها من الشوائب التراثية. وهكذا يتحرر المجتمع من عبء تقديس العادات الشعبية ليستعيد قدرته على الإبداع والتطور ومواكبة العصر الحديث.



