
تعد مسألة ظنية الروايات التراثية القضية المنهجية الأبرز في تفكيك سلطة الموروث الكهنوتي الذي قيد حركة المجتمعات طويلاً. فبحسب التحليل المعرفي الدقيق في الدراسة الإبستمولوجية لقواعد نقد الحديث وظنية نتائجه، تختلف القاعدة العلمية عن القاعدة الاصطلاحية. علاوة على ذلك، تقوم القاعدة العلمية على برهان منطقي أو تجريبي مستقل لا يتوقف على اتفاق طائفة معينة. ونتيجة لذلك، فإن منظومة تصحيح الأخبار في التراث السني والشيعي تشتمل على معايير عرفية وتقديرات شخصية غير يقينية.
وفي السياق ذاته، يكشف فحص شروط السند أن إثبات المعاصرة بين الراوي وشيخه يعني إمكان اللقاء لا وقوعه الفعلي. كما أن شرط عدالة الراوي ومروءته يرتبط بأعراف اجتماعية متغيرة وانطباعات بشرية لا تضمن عصمة الذاكرة من النسيان والوهم. ولذلك، تؤكد ظنية الروايات التراثية أنه لا توجد علاقة منطقية حتمية بين صلاح الإنسان الأخلاقي وبين صحة كل خبر ينقله.
أثر تجاهل ظنية الروايات التراثية على الفكر والمجتمع
من جهة أخرى، تعتمد أحكام الجرح والتعديل وتوثيق الرواة على شهادات واجتهادات بشرية يختلف فيها النقاد حول الشخص الواحد. فما يراه محدث معين راوياً ثقة، قد يصفه ناقد آخر بأنه ضعيف أو سيئ الحفظ وفق معاييره الخاصة. وبالإضافة إلى ذلك، يوضح قسم ايدولوجيا أن استيفاء شروط الصحة الاصطلاحية لا يساوي أبداً القطع التاريخي بصدور القول.
وعلاوة على ذلك، فإن القاعدة المنطقية الثابتة تقضي بأن النتيجة الاستدلالية لا يمكن أن تكون أقوى أو أقطع من مقدماتها. فإذا كانت حلقات الإسناد قائمة على ترجيحات ظنية واحتمالات بشرية، فإن المحصلة النهائية تبقى بالضرورة معرفة تاريخية ظنية. وفي المقابل، تسببت المذاهب التراثية في أزمة اجتماعية وتشريعية كبرى حين رفعت هذه الأخبار الظنية إلى مرتبة الوحي الإلهي المعصوم.
وبناءً على ذلك، أدى إنكار ظنية الروايات التراثية إلى فرض أحكام متشددة وتصورات متناقضة صدمت العقل العلمي وعطلت مصالح الناس. ولذلك، يقتضي المنهج العلمي وضع المرويات التاريخية في حجمها الطبيعي بوصفها تراثاً بشرياً قابلاً للنقد والرد والمراجعة الدائمة. وهكذا يحمي الإقرار بقاعدة ظنية الروايات التراثية المجتمعات من تقديس أقوال البشر ومنحها سلطة تشريعية زائفة باسم الدين.



