الحراك المدني

تعديل الدستور العراقي: لماذا يحتاج العراق دستوراً علمانياً مدنياً؟

يتصدر تعديل الدستور العراقي قائمة المطالب الإصلاحية منذ سنوات. فالوثيقة التي أُقرّت في استفتاء عام 2005 لم تحلّ أزمات الحكم، بل ساهمت في بعضها. ويرى كثيرون أن الحل يبدأ بدستور علماني يفصل الدولة عن السلطة الدينية ويساوي بين المواطنين. لذلك نعرض هنا أسباب هذا الطرح، وحدوده، وطريقه الدستوري الممكن.

لماذا يتكرر الحديث عن تعديل الدستور العراقي؟

نصّت المادة 142 من الدستور على أن يشكّل مجلس النواب لجنة تمثل المكونات الرئيسية. وكان على اللجنة أن تقدم خلال أربعة أشهر توصية بالتعديلات الضرورية. لكن عملها لم يكتمل ضمن المدة الدستورية، بحسب دراسة أكاديمية عن المواد الخلافية.

وفي شباط 2022 كتب رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان مقالاً بعنوان «ضرورة يفرضها الواقع السياسي». وأشار فيه إلى مواد تعطّل تشكيل السلطات، منها المواد 52 و65 و70 و92 والمادة 76، بحسب شفق نيوز.

ثم أعلنت حكومة محمد شياع السوداني توجهاً للتعديل ضمن برنامجها. غير أن اللجنة القانونية في البرلمان أقرّت في آذار 2023 بوجود عقبات، أبرزها غياب الاتفاق السياسي، وفق العربي الجديد. وهكذا بقي تعديل الدستور العراقي مطلباً شعبياً أكثر منه مشروعاً قيد التنفيذ.

كيف رسّخ النص الدستوري الهوية الطائفية؟

لا يذكر الدستور المحاصصة صراحة. فقد أشارت ورقة بحثية إلى أن الأحزاب الحاكمة اقتسمت السلطة وعمّمت هذا العرف، مع أن الدستور لم يتناوله. لكن النص يتحدث بلغة «المكونات» في أكثر من موضع. فالمادة 49 تشترط مراعاة تمثيل سائر مكونات الشعب في مجلس النواب. والمادة 3 تصف العراق بأنه متعدد القوميات والأديان والمذاهب.

كما أن لجنة كتابة الدستور اعتمدت على تمثيل المكونات والطوائف دون إشراك كافٍ للخبراء والمختصين، وفق الدراسة نفسها. ويرى منتقدون أن لغة الانقسام انتقلت من غرفة الصياغة إلى الحياة السياسية.

وعلى مستوى الحقوق، تنص المادة 41 على أن العراقيين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم. وقد تناول موقعنا أثر ذلك في مقال عن المدونة الجعفرية وحقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، تمنع المادة 2 سنّ أي قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.

ما المقصود بالدستور العلماني؟

العلمانية لا تعني الإلحاد ولا العداء للدين. فهي تعني أن تقف الدولة على مسافة واحدة من الأديان والمذاهب كلها. ولا يصبح دين معين، في هذا النموذج، قيداً على التشريع العام. في المقابل تبقى حرية العقيدة والعبادة مصونة لكل فرد.

والدستور الحالي يحمل نصوصاً مدنية بالفعل. فالمادة 14 تساوي بين العراقيين دون تمييز بسبب الدين أو المذهب أو المعتقد. والمادة 42 تكفل حرية الفكر والضمير والعقيدة. لكن هذه الضمانات تصطدم بمواد أخرى تربط التشريع بثوابت دينية وتحيل الأحوال الشخصية إلى المذهب.

وتجارب الدول تساعد على فهم الفكرة. فقد شرحنا في مقال عن انتقال أوروبا من الحروب الطائفية إلى دولة المواطنة كيف أنهى فصل السلطة السياسية عن الكنيسة صراعات دامية. كما ناقشنا الجدل حول العلمانية بين ضمان الحريات وفرض الهوية، لتجنب نموذج يفرض العلمنة بالقوة.

مقترحات عملية لدستور علماني ينهي الطائفية

فيما يلي اقتراحات يمكن أن تكون أساساً للنقاش العام:

  • إعادة صياغة المادة 2 بحيث تضمن حرية المعتقد ولا تجعل دين الأغلبية قيداً على التشريع.
  • توحيد قانون مدني للأحوال الشخصية بدل الإحالة المذهبية في المادة 41، مع بقاء الحرية في ممارسة الشعائر.
  • استبدال معيار «المكونات» في التمثيل بمعيار المواطنة والكفاءة.
  • إعادة النظر في تركيبة المحكمة الاتحادية العليا المنصوص عليها في المادة 92، لتقوم على الخبرة القانونية.
  • النص الصريح على حياد الدولة تجاه الأديان والمذاهب.

وقد تناولت تقارير صحفية مقترحات تعديل سابقة شملت شطب مفردات تكرّس المحاصصة، بحسب موقع العين الإخباري. وهذا يدل على أن الفكرة ليست جديدة.

الطريق الدستوري إلى التعديل

تنظّم المادة 126 إجراءات التعديل. ولرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء معاً، أو لخُمس أعضاء مجلس النواب، اقتراح التعديل. أما المبادئ الأساسية في الباب الأول والحقوق والحريات في الباب الثاني، فلا تُعدَّل إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين. ويلزم كذلك موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، وموافقة الشعب في استفتاء عام، ومصادقة رئيس الجمهورية.

وبما أن المادة 2 تقع في الباب الأول، فإن تعديلها يحتاج إلى هذا المسار الطويل. لذلك يتطلب تعديل الدستور العراقي تحالفاً سياسياً ومجتمعياً يصمد عبر دورتين انتخابيتين. كما تمنع المادة 126 أي انتقاص من صلاحيات الأقاليم دون موافقة سلطتها التشريعية وأغلبية سكانها.

ما يقوله المعارضون لفكرة الدستور العلماني

يرى المعارضون أن الإسلام جزء أصيل من هوية غالبية العراقيين. ويذكّرون بأن المادة 2 تضمن الحفاظ على هذه الهوية. ويخشون أن تتحول العلمانية إلى فرض ثقافي يصطدم بالمجتمع. ويرى آخرون أن المشكلة في الممارسة السياسية والمحاصصة لا في نصوص الدستور.

في المقابل يردّ أنصار العلمنة بأن الحياد لا يعني العداء للدين. ويقولون إن حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني، كما تنص المادة 37، هي المقصد نفسه. ومن المفيد أن يجري هذا النقاش علناً وبهدوء، لأن أي تعديل بلا قبول مجتمعي لن يصمد.

خلاصة القول

يحتاج العراق إلى عقد اجتماعي يقوم على المواطنة المتساوية لا على الانتماء الطائفي. وتعديل الدستور العراقي نحو نموذج علماني مدني هو أحد الطرق لتحقيق ذلك. وهو مسار طويل ومعقد، لكنه ممكن إذا توفرت إرادة سياسية وضغط شعبي ونقاش صريح.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى