
أفادت تقارير حقوقية دولية ومصادر قانونية مطلعة بأن سلبيات قانون المدونة الجعفرية تهدد استقرار الأسرة العراقية وحقوق الطفولة. فمنذ تمرير تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959، تصاعدت التحذيرات من تفكيك وحدة القضاء المدني. علاوة على ذلك، أنشأ هذا التشريع الطائفي نظاماً قانونياً موازياً يربط حقوق المواطن العراقي بالمذهب لا بالمواطنة المتساوية. ونتيجة لذلك، جُردت النساء والأطفال من الضمانات القانونية التي كفلها الدستور العراقي والاتفاقيات الدولية الملزمة لبغداد.
وفي السياق ذاته، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية كيف تحول النصوص الجديدة النساء العراقيات إلى مواطنات من الدرجة الثانية. إذ تمنح المدونة الزوج الحق في تحويل عقد الزواج السابق للمذهب الجعفري دون علم الزوجة أو موافقتها. كما تبيح للرجل إيقاع الطلاق الغيابي منفرداً، وتنتزع حضانة الطفل تلقائياً من الأم عند بلوغه سن السابعة. وفي تعليقها الرسمي على سلبيات قانون المدونة الجعفرية، قالت الباحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر:
«تكرس مدونة الأحوال الشخصية الجديدة التمييز ضد النساء، وتحولهن قانونياً إلى مواطنات من الدرجة الثانية. إنها تسلب النساء والفتيات إرادتهن المستقلة في إدارة حياتهن وتمنحها للرجال، ويجب إلغاؤها فوراً.»
انتهاك الطفولة وأبرز سلبيات قانون المدونة الجعفرية
من جهة أخرى، تتمثل أخطر سلبيات قانون المدونة الجعفرية في فتح الباب أمام تزويج الطفلات القاصرات خارج المحاكم. فقد أظهر التقرير الميداني لمنظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2026 أن نصوص المدونة ربطت أهلية الزواج بسن البلوغ الفقهي. ويُحدد هذا السن في الموروث الفقهي التقليدي بتسع سنوات قمرية فقط للفتاة، مما يشرعن زواج الأطفال رسمياً. وبالإضافة إلى ذلك، تستند المرجعيات التراثية للمدونة إلى فتاوى فقهية تبيح العقد على الرضيعة وممارسة انتهاكات كالتفخيذ والضم. ويسلط قسم الحراك المدني الضوء على تصادم هذه الممارسات مع اتفاقية حقوق الطفل الدولية التي تجرم استغلال القاصرات.
وعلاوة على ذلك، كشفت بيانات بعثة الأمم المتحدة في العراق أن 22% من الزيجات غير المسجلة تشمل طفلات دون الرابعة عشرة. وتؤدي إباحة العقود الشفهية عند رجال الدين دون رقابة قضائية إلى حرمان القاصرات وأطفالهن من الأوراق الثبوتية. وفي المقابل، تشترط المواد من 70 إلى 74 موافقة المرجع الديني على حكم القاضي في دعاوى التفريق للضرر. وبالتالي تُجبر المرأة المعنفة على إثبات الضرب الجسدي المتكرر، مع إسقاط حقها في الطلاق بسبب العنف النفسي أو الاقتصادي.
مخالفة سلبيات قانون المدونة الجعفرية لأحكام القرآن الكريم
وبناءً على ذلك، لا تقتصر سلبيات قانون المدونة الجعفرية على خرق المواثيق الحقوقية، بل تتصادم صراحةً مع القرآن الكريم. فقد أثبتت الأبحاث القرآنية في مركز بحوث الدين والفطرة أن القرآن حرّم زواج الصغار تحريماً قاطعاً لا يقبل التأويل. إذ اشترط النص القرآني لصحة الزواج اجتماع النضج الجسدي الكامل مع الرشد العقلي والمالي في قوله تعالى:
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6].
ولذلك، لا يصح شرعاً ولا عقلاً تزويج طفلة قاصرة لا تملك أهلية التصرف في مالها أو قرارها المستقل. كما وصف الله سبحانه وتعالى رابطة الزواج بأنها عهد مسؤولي رفيع يتطلب الإدراك الكامل والرضا الحر في قوله تعالى:
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21].
فأي ميثاق غليظ أو سكن ومودة يمكن أن تدركه طفلة صغيرة أو رضيعة تُنتهك طفولتها باسم الموروثات الفقهية؟ إن تحويل الفتاوى التراثية الظنية التي تبيح انتهاك الصغيرات إلى قانون نافذ يمثل افتراءً على العدالة الإلهية والرحمة القرآنية. وهكذا تفرض سلبيات قانون المدونة الجعفرية ضرورة إلغاء هذا التشريع الطائفي والعودة لقانون مدني موحد يحمي المرأة والطفل.

