الحراك المدني

تناقض الدفاع عن حقوق المرأة: بين استبداد المدونة الجعفرية وتسليع صناعة الإباحية

قراءة علمية وأخلاقية في خطورة توظيف رموز التشييء الجسدي لقيادة الحراك الحقوقي ونقد التشريعات

أفادت دراسات علمية وأبحاث حقوقية دولية بأن تناقض الدفاع عن حقوق المرأة يتجلى في استضافة رموز صناعة الإباحية إعلامياً. ففي خضم الجدل القانوني حول المدونة الجعفرية، لجأت بعض المنصات إلى استضافة ممثلات أفلام إباحية للتعليق على التشريع. علاوة على ذلك، شهدت بعض الفعاليات إشراك شخصيات من صناعة الجنس التجاري في قيادة مسيرات تطالب بحقوق النساء. ونتيجة لذلك، وقع هذا الخطاب الإعلامي في سقوط أخلاقي ومنهجي يستبدل الاستغلال الفقهي للمرأة باستغلال تجاري أشد وطأة.

وفي السياق ذاته، أثبتت الأبحاث النفسية في تقرير الجمعية الأمريكية لعلم النفس حول التشييء الجنسي (APA) خطورة تسليع الجسد. إذ تؤكد الجمعية العلمية أن اختزال قيمة المرأة في الإثارة الجسدية يحولها إلى أداة مادية لاستخدام الآخرين. ولذلك، يتنافى هذا التسليع تماماً مع رؤيتها كإنسان كامل الأهلية يمتلك الإرادة المستقلة والقدرة على اتخاذ القرار.

الجوهر المشترك بين التطرف والتسليع في تناقض الدفاع عن حقوق المرأة

من جهة أخرى، تكشف موسوعة ستانفورد للفلسفة في دراستها حول أسواق الجنس أن صناعة الإباحية تكرس دونية المرأة وإخضاعها. فالإباحية التجارية لا تمثل تحرراً نسوياً، بل تمثل انتهاكاً جسدياً ونفسياً يحول الأنثى إلى سلعة استهلاكية رخيصة. وبالإضافة إلى ذلك، يوضح قسم صحافة ورأي أن هذا التشييء التجاري يلتقي في نتيجته النهائية مع التطرف الفقهي.

وعلاوة على ذلك، يتعامل كل من الخطاب التراثي المتشدد وصناعة الإباحية مع المرأة بوصفها جسداً مخصصاً لإشباع الرغبات. فبينما تبيح الموروثات المتطرفة تزويج القاصرات وسلب الحضانة، تقوم الإباحية على بيع جسد المرأة في الأسواق المادية. وفي تشخيصها لنظرة الأحزاب الدينية للمرأة في تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش حول المدونة الجعفرية، قالت الباحثة الحقوقية نادية محمود:

«تعكس هذه المدونة نظرة الأحزاب الدينية لحقوق المرأة ومكانتها في الأسرة والمجتمع العراقي. إنها توضح أنهم لا ينظرون للمرأة ككائن مساوٍ للرجل، بل كملحق مخصص لتلبية جميع رغباته.»

كيف يضرب تناقض الدفاع عن حقوق المرأة مصداقية القضايا العادلة؟

وفي المقابل، يؤدي تصدير ممثلات الإباحية لنقد القوانين المجحفة إلى إهانة نضال الأكاديميات والحقوقيات والقانونيات المدافعات عن العدالة. كما يمنح هذا الابتذال الإعلامي الباحث عن المشاهدات ذريعة مجانية للمتطرفين لتشويه الحراك المدني واتهامه بالانحلال الأخلاقي. وبناءً على ذلك، يرفض المنهج القرآني كلا النقيضين؛ إذ حرّم المتاجرة بأجساد النساء وكرامتهن في قوله تعالى:

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: 33].

كما أرسى القرآن الكريم قاعدة التكافؤ القانوني والأخلاقي التام الذي يصون حقوق المرأة وكرامتها الإنسانية في قوله تعالى:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].

ولذلك، فإن مواجهة التشريعات الطائفية الظالمة كالمدونة الجعفرية تتطلب خطاباً حقوقياً وعلمياً رصيناً يستند إلى الدستور والعقل. وهكذا ينتهي تناقض الدفاع عن حقوق المرأة حين يتحرر المجتمع معاً من عبودية الخرافة التراثية ومستنقع التسليع الجسدي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى