صحافة ورأي

الليبرالية في العراق: كيف تضمن حرية التعبير وصحافة تراقب الحكومة؟

الليبرالية في العراق ليست شعاراً نظرياً، بل قضية تمس حياة الصحفي والمواطن يومياً. فحين تغيب ضمانات التعبير، تتحول الحكومة إلى سلطة بلا رقيب. وحين تحتمي الأحزاب بالدين أو الطائفة، يصبح النقد مخاطرة. لذلك نشرح هنا لماذا تحتاج الدولة العلمانية إلى قيم ليبرالية، وكيف تصنع الصحافة الحرة حكماً أكثر مساءلة.

ما المقصود بالليبرالية في العراق؟

تقوم الليبرالية السياسية على حماية حقوق الفرد وسيادة القانون وتقييد سلطة الدولة. ومن أشهر تعبيراتها كتاب «عن الحرية» للفيلسوف جون ستيوارت مل عام 1859. فقد رأى أن المجتمع لا يحق له تقييد حرية الفرد إلا لمنع الأذى عن الآخرين.

وتختلف الليبرالية عن العلمانية، مع أنهما تلتقيان في نقاط كثيرة. فالعلمانية تفصل الدولة عن المؤسسة الدينية وتجعلها محايدة بين العقائد. أما الليبرالية فتضمن الحقوق الفردية، وفي مقدمتها حرية الرأي والصحافة. ومن ثم فإن دولة علمانية بلا قيم ليبرالية قد تقمع الصحافة أيضاً.

لذلك يحتاج العراق إلى الاثنتين معاً: حياد يمنع المقدّس من أن يصبح درعاً ضد النقد، وحقوق تحمي المنتقِد من العقاب.

ماذا تقول الأرقام عن حرية الصحافة في العراق؟

حلّ العراق في المرتبة 162 من أصل 180 دولة في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن مراسلون بلا حدود، بمجموع 28.85 نقطة. وكان في المرتبة 155 عام 2025 بمجموع 30.69 نقطة، بحسب صفحة العراق على موقع المنظمة. أي أن الترتيب تراجع سبعة مراكز في عام واحد.

وفي الداخل وثّقت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق 182 انتهاكاً خلال عام 2025. وشملت الانتهاكات الاعتقالات ومنع التغطية والدعاوى القضائية وقيوداً من هيئة الإعلام والاتصالات واعتداءات جسدية، وفق تقريرها السنوي.

ونقلت رووداو ديجيتال عن تقرير المنظمة الدولية أن غالبية المؤسسات الإعلامية ترتبط بقوى سياسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وأضافت أن قوانين نافذة تُستخدم أحياناً لملاحقة الصحفيين في قضايا التشهير والنشر، رغم أن الدستور يضمن حرية الصحافة.

كيف تراقب الصحافة الحرة أداء الحكومة؟

تكشف الصحافة الحرة الفساد وتنقل للمواطن ما يجري في دوائر القرار. كما تمنح الناخب معلومات يحاسب بها ممثليه. وحين تعمل بلا خوف، ترتفع كلفة الخطأ على المسؤول.

لكن الصحفي يحتاج إلى أدوات قانونية. وقد طالب صحفيون عراقيون بتشريع قانون «حق المعلومة»، بحسب صحيفة الشرق الأوسط. فمن دون الوصول إلى الوثائق، يبقى التحقيق الصحفي عملاً شاقاً ومحفوفاً بالمخاطر.

وتنص المادة 38 من الدستور على كفالة حرية التعبير وحرية الصحافة. غير أنها تقيّد ذلك بعبارة «بما لا يخل بالنظام العام والآداب». وهذه الصياغة فضفاضة، ويمكن أن تُفسَّر بحسب مزاج السلطة أو الجهة النافذة.

لماذا تحتاج حرية الصحافة إلى العلمانية والليبرالية معاً؟

حين تُقدَّم قيود التعبير باسم الدين أو المذهب، يصعب النقاش العام حول أداء من يحكمون باسمهما. وحين تغيب الحقوق الفردية، تصبح الدولة الحَكَم والخصم في آن واحد. لذلك تقترح الدولة العلمانية الليبرالية قواعد واضحة:

  • حصر قيود التعبير في التحريض المباشر على العنف والتمييز، وتعريفها تعريفاً دقيقاً.
  • إلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر والتشهير، والاكتفاء بالتعويض المدني.
  • إصدار قانون يضمن حق الحصول على المعلومات.
  • ضمان استقلال هيئة الإعلام فعلاً عن القوى السياسية، علماً أن المادة 103 تربطها بمجلس النواب.
  • حماية الصحفيين ومحاسبة من يعتدي عليهم.
  • حياد الدولة تجاه الأديان حتى لا يتحول المقدّس إلى درع ضد المساءلة.

وقد ناقش موقعنا تناقض الشخصية الشرق أوسطية وأزمات الحرية. كما شرحنا كيف حمت الآليات القانونية حقوق المواطنين في أمريكا. ويكمل ذلك مقالنا عن العلمانية بين ضمان الحريات وفرض الهوية.

خطوات تحمي الصحفي والمواطن

لا تكفي النصوص وحدها. فالليبرالية في العراق تحتاج ثقافة عامة تقبل النقد وتحترم الاختلاف. وهذا يبدأ من المدرسة والإعلام والأسرة. كما يحتاج الصحفي إلى نقابة مستقلة تدافع عنه، ومحامين يتبنون قضاياه، وتمويل شفاف لا يربطه بحزب.

وللقارئ دور أيضاً. فهو يستطيع دعم المؤسسات المستقلة، والتحقق من الخبر قبل نشره، ومطالبة ممثليه بتشريعات تحمي حرية الرأي. وكلما تعاون المواطن والصحفي والقاضي، صارت الرقابة على الحكومة عادة يومية لا استثناءً.

وفي النهاية، تُقاس جدية أي إصلاح بما يتغير في حياة الناس. فإذا استطاع الصحفي أن ينشر تحقيقه دون خوف، وإذا شعر المواطن أنه يستطيع الاعتراض دون عقاب، فهذا مؤشر حقيقي على التقدم.

اعتراضات على الليبرالية وردودها

يقول منتقدون إن الليبرالية فكرة مستوردة ارتبطت في أذهان بعضهم بسياسات السوق والتحولات بعد عام 2003. ويخشون أن تفتح الحرية الباب أمام الإساءة والتضليل. وهذه مخاوف تستحق النقاش.

في المقابل تتضمن الليبرالية نفسها حدوداً تمنع الأذى والتحريض، كما يظهر في مبدأ مل. وقد حظر الدستور العراقي أصلاً نهج التكفير والإرهاب في المادة 7. ثم إن الصحافة الحرة تصحح التضليل بالمعلومة والمساءلة، لا بالمنع والعقوبة.

خلاصة القول

لا تُبنى الرقابة على الحكومة بالشعارات، بل بقوانين وضمانات وقضاء مستقل. والليبرالية في العراق، حين تقترن بدولة علمانية محايدة، تمنح الصحافة المساحة التي تحتاجها لتؤدي دورها. وتبقى الأرقام الأخيرة تذكيراً بأن الطريق ما زال طويلاً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى