الحراك المدني

تناقض الشخصية الشرق أوسطية: الهروب من أزمات الحرية والاقتصاد إلى انتقاد تظاهرات فرنسا

قراءة اجتماعية ونفسية في ظاهرة الازدواجية والإسقاط التعويضي أمام حراك الشارع الفرنسي الديمقراطي

أفادت تقارير بحثية دولية ودراسات اجتماعية رصينة بأن تناقض الشخصية الشرق أوسطية يبرز بوضوح عند تقييم الاحتجاجات الغربية. فمع خروج مئات الآلاف في فرنسا للمطالبة بتحسين الأجور والمدارس، ضجت منصات التواصل في الشرق الأوسط بالسخرية. علاوة على ذلك، يتبارى كثيرون في تنظير المواعظ السياسية لباريس بينما تغرق مجتمعاتهم في أزمات معيشية وحقوقية خانقة. ونتيجة لذلك، يكشف هذا السلوك المفارقة العجيبة بين واقع المواطن المسلوب الإرادة وبين ادعائه التفوق على الديمقراطيات الحديثة.

وفي السياق ذاته، تؤكد الإحصاءات الموثقة في تقرير مؤسسة فريدوم هاوس الدولية حول الحريات أن 93% من سكان الشرق الأوسط يعيشون في بلدان غير حرة. إذ تعاني شعوب المنطقة من مصادرة حرية التعبير، وتفشي الفساد المالي، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار السلاح المنفلت. ولذلك، يبدو تناقض الشخصية الشرق أوسطية صارخاً حين يعجز الفرد عن انتقاد مسؤول محلي فاسد بينما يحاكم الديمقراطية الفرنسية.

التفسير الاجتماعي والنفسي لظاهرة تناقض الشخصية الشرق أوسطية

من جهة أخرى، يفسر علماء الاجتماع والنفس هذه الظاهرة عبر آليتي «ازدواجية الشخصية» و«الإسقاط النفسي التعويضي». فبحسب الدراسة الأكاديمية المنشورة في قسم علم الاجتماع بجامعة الأنبار حول نظريات ابن خلدون وعلي الوردي، تنشأ الازدواجية من التنشئة القمعية والتصادم الثقافي. ويؤدي الخوف المكبوت في اللاشعور إلى البحث عن متنفس خارجي يمنح الذات المقهورة شعوراً زائفاً بالانتصار الأخلاقي. وبالإضافة إلى ذلك، يوضح قسم صحافة ورأي أن تضخيم أزمات الغرب يعمل كحيلة دفاعية للهروب من مواجهة الفشل المحلي.

وعلاوة على ذلك، تُظهر المقارنة الموضوعية مع أحداث باريس الأخيرة الفارق الجوهري بين دولة القانون وبين أنظمة القمع. فوفقاً لتغطية صحيفة The Guardian البريطانية للاحتجاجات الفرنسية، خرج أكثر من 500 ألف مواطن فرنسي للتعبير عن مطالبهم الاقتصادية بحرية. وعندما وقعت أخطاء أمنية، بادر وزير الداخلية الفرنسي لتقديم استقالته، بينما قال عمدة باريس إيمانويل غريغوار علناً:

«إن الحفاظ على النظام العام هو مسؤولية الدولة، والدولة هي التي أخطأت في نهاية هذا الأسبوع. لدينا حراك اجتماعي يتسع، ولا بد من إيجاد مخرج سياسي بناء للاستجابة لمطالب المواطنين.»

الميزان الأخلاقي والقرآني في نقد تناقض الشخصية الشرق أوسطية

وفي المقابل، يُقابل المتظاهر السلمي في معظم دول الشرق الأوسط بالرصاص الحي والتخوين والاعتقال التعسفي دون أي مساءلة. فالاحتجاج في فرنسا دليل على حيوية المجتمع وقدرته على محاسبة حكومته، وليس دليلاً على انهيار الدولة كما يتوهم المتشفون. وبناءً على ذلك، استنكر الخطاب القرآني بشدة هذا الانفصام الأخلاقي المتمثل في انشغال الإنسان بعيوب غيره ونسيان إصلاح نفسه:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

ولذلك، فإن البداية الحقيقية للنهضة تقتضي امتلاك الشجاعة الأدبية لمصارحة الذات وتشخيص أمراض الاستبداد والفساد والانحدار القيمي محلياً. وهكذا لن يتخلص المجتمع من عبء تناقض الشخصية الشرق أوسطية إلا حين يستبدل ثقافة التشفي الوهمي بثقافة العمل والإصلاح.

تناقض الشخصية الشرق أوسطية بين واقع غياب الحريات وانتقاد التظاهرات في فرنسا
تناقض الشخصية الشرق أوسطية بريشة الفنان اسامة حجاج
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى