
تحسم نظرية المؤسسات الشاملة والاستغلالية الجدل التاريخي حول أسباب ثراء وتحضر دول معينة، وفقر وتخلف دول أخرى. وقد طور هذا النموذج العلمي الاقتصاديان الحائزان على جائزة نوبل، دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون، في كتابهما الشهير لماذا تفشل الأمم. علاوة على ذلك، تفند هذه الدراسة الاستقصائية الفرضيات التيترجع تخلف العراق وسوريا ومصر ولبنان وإيران إلى أسباب دينية أو ثقافية. وتؤكد الأبحاث أن السبب الحقيقي يكمن في طبيعة المؤسسات السياسية والاقتصادية، التي تدير موارد المجتمع وتنظم العلاقات بين أفراده.
ما الفرق في نظرية المؤسسات الشاملة والاستغلالية؟
تقسم الدراسات الاقتصادية الحديثة أنظمة الحكم والإدارة في العالم إلى نوعين متناقضين من المؤسسات: شاملة، واستغلالية (استخراجية). وفي السياق ذاته، تعمل (المؤسسات الشاملة) في أوروبا واليابان وأمريكا على إشراك أوسع شريحة من المواطنين في القرار السياسي والنشاط الاقتصادي. ونتيجة لذلك، تحمي هذه الدول حقوق الملكية الفردية، وتضمن القضاء العادل، وتمنح القروض والفرص للمبتكرين دون محاباة أو احتكار.
“تنجح الأمم حين تبني مؤسسات اقتصادية وسياسية شاملة تحفز الإبداع، وتفشل حين تسيطر نخبة ضيقة على ثروات المجتمع.”
وبناءً على ذلك، يشعر المواطن في ظل المؤسسات الشاملة بالأمان القانوني على ثروته وأفكاره، فيندفع نحو الاستثمار والاختراع العلمي. وبالإضافة إلى ذلك، تمنع الرقابة البرلمانية والشعبية تحول السلطة السياسية إلى أداة للثراء غير المشروع أو إقصاء المنافسين.
كيف أعاقت المؤسسات الاستغلالية نهضة مصر والعراق وسوريا ولبنان وإيران؟
تخضع دول مثل العراق وسوريا ولبنان وإيران ومصر لما يسميه علماء الاقتصاد (المؤسسات الاستغلالية أو الريعية). ومن ناحية أخرى، تُصمم القوانين في هذه البلدان لاستخراج الثروات والموارد من عامة الشعب، وتركيزها في يد نخبة سياسية أو عسكرية أو طائفية. كما أظهرت تقارير التنمية الإنسانية العربية أن غياب المنافسة العادلة، وتفشي الفساد الإداري، يقتلان روح المبادرة الاقتصادية لدى الشباب.
لماذا يفشل الاقتصاد حين تغيب العدالة المؤسسية؟
تؤدي هيمنة المؤسسات الاستغلالية في لبنان والعراق وسوريا وإيران إلى تحويل الصراع على السلطة إلى مسألة حياة أو موت. وفي هذا الإطار، لأن الفائز بالسلطة يحتكر الثروة بالكامل ويقصي خصومه، تندلع الحروب الأهلية والانقلابات والنزاعات الطائفية باستمرار. علاوة على ذلك، تعادي النخب المستفيدة من الاحتكار أي ابتكار تكنولوجي أو انفتاح اقتصادي حر، خشية فقدان امتيازاتها المالية والسياسية.
وفضلاً عن ذلك، شهدت مصر والعراق وسوريا تراجعاً في جودة التعليم والقضاء، نتيجة توجيه الإنفاق نحو الأجهزة الريعية والزبائنية السياسية. ولذلك، يهاجر العلماء والأطباء ورجال الأعمال من هذه البلدان إلى أوروبا وأمريكا، حيث يجدون مؤسسات شاملة تحمي حقوقهم. وختاماً، تبرهن نظرية المؤسسات الشاملة والاستغلالية أن الإصلاح يبدأ بتفكيك الاحتكار والفساد، وبناء دولة القانون والفرص المتكافئة.




