
العلمانية بين ضمان الحريات وفرض الهوية: قراءة في النموذجين الليبرالي (الامريكي) والسلطوي (حالة أذربيجان):
تُعرّف العلمانية في أدبيات العلوم السياسية، في أبسط صورها، بأنها فصل حكم الكهنوت الديني عن مؤسسات الدولة. ورغم هذا التعريف المشترك، إلا أن التطبيق العملي للعلمانية يختلف جذرياً باختلاف طبيعة النظام السياسي وتاريخه وهواجسه الأمنية. ولعل أبرز تجليات هذا الاختلاف تظهر بوضوح عند المقارنة بين “العلمانية الليبرالية” و”العلمانية السلطوية”، حيث يُمثل ملف ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية نموذجاً أكاديمياً دقيقاً لفهم هذا التباين.
أولاً: العلمانية الليبرالية (حياد الدولة وحرية الفرد)
ينطلق النموذج الليبرالي للعلمانية (المُطبق في دول مثل الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا) من فلسفة أساسية تتمثل في حماية حرية الفرد. في هذا الإطار، تُفهم العلمانية على أنها أداة لمنع استبداد الدولة أو فرضها لدين معين على مواطنيها.
مفهوم الحياد: حياد الدولة هنا يعني أن مؤسساتها وقوانينها لا تنحاز لأي دين ولا تعاديه. هذا الحياد يُلزم الدولة وموظفيها أثناء تأدية مهامهم الرسمية، ولكنه لا يُلزم المواطن.
الفضاء العام: يُعتبر الفضاء العام (بما في ذلك المدارس والجامعات) مساحة مفتوحة للتعددية. يحق للفرد ممارسة شعائره وإظهار رموزه الدينية (كالحجاب، أو الصليب، أو العمامة) باعتبارها جزءاً أصيلاً من حريته الشخصية التي يكفلها الدستور، طالما أنها لا تتعدى على حريات الآخرين أو تخل بالنظام العام.
ثانياً: العلمانية السلطوية (هيمنة الدولة وتأميم المجال العام)
على النقيض من ذلك، لا تهدف العلمانية السلطوية إلى حماية حرية الفرد، بل تُستخدم كأداة بيد السلطة الحاكمة للسيطرة على المجتمع وفرض هوية وطنية موحدة تتوافق مع مصالح النظام.
السيطرة بدلاً من الحياد: لا تكتفي الدولة السلطوية بالوقوف على الحياد، بل تتدخل بشكل مباشر في تنظيم المجال الديني ومراقبته وإدارته وتطويعه لخدمة أجندتها السياسية.
تطهير الفضاء العام: ترى العلمانية السلطوية أن أي حضور مرئي للدين في الفضاء العام (خاصة في المؤسسات التعليمية والحكومية) يُعد تهديداً لسلطة الدولة أو تمهيداً لظهور قوى سياسية معارضة ذات طابع ديني. لذا، يتم قمع التعبيرات الدينية المرئية باسم “تحديث المجتمع” أو “حماية الأمن القومي”.
ثالثاً: أذربيجان كنموذج للعلمانية السلطوية (أزمة الحجاب في المدارس)
تُعد أذربيجان مثالاً نموذجياً لفهم آليات عمل العلمانية السلطوية. فمنذ نهاية عام 2010، تطبق وزارة التعليم الأذربيجانية قراراً يفرض زياً مدرسياً موحداً يمنع فعلياً ارتداء الحجاب للفتيات في المدارس الحكومية، ولفهم الدوافع الأكاديمية لهذا المنع، يجب تفكيك السياقين التاريخي والجيوسياسي للبلاد:
1. الإرث السوفيتي (الخوف من الدين المرئي):
ورثت مؤسسات الدولة الأذربيجانية عقلية بيروقراطية وأمنية تشكلت خلال سبعة عقود من الحكم السوفيتي. فرغم تخلي باكو عن “إلحاد الدولة” بعد استقلالها عام 1991 وإقرارها بحرية الاعتقاد، إلا أن النظرة الحكومية للدين ظلت تشكيكية. ترى النخبة الحاكمة أن التدين يجب أن يبقى محصوراً في الحيز الخاص المطلق (القلب ودور العبادة المراقبة)، وأن انتقال الدين إلى الحيز العام (عبر الحجاب أو اللحى أو التجمعات الدينية المستقلة) يُمثل ارتداداً عن الحداثة وتحدياً لسلطة الدولة المباشرة.
2. الهواجس الجيوسياسية والأمنية:
تستثمر الحكومة الأذربيجانية العلمانية الصارمة كدرع أمني. تقع أذربيجان في بيئة جغرافية معقدة؛ فإلى الجنوب تقع إيران (التي تحاول تصدير نموذج الإسلام السياسي الشيعي)، وإلى الشمال روسيا وجمهوريات القوقاز (التي تعاني من اضطرابات مرتبطة بالتشدد السني). بناءً عليه، تنظر الحكومة الأذربيجانية إلى أي تنامٍ للمظاهر الدينية (مثل انتشار الحجاب في المدارس) ليس كخيار شخصي للفتيات، بل كمؤشر على تمدد النفوذ الأجنبي أو كبذرة محتملة لتنظيمات إسلامية قد تنازع النظام على السلطة السياسية.
3. إدارة الشأن الديني مركزياً:
لا تترك العلمانية الأذربيجانية الدين حراً، بل تديره عبر “اللجنة الحكومية للعمل مع المنظمات الدينية”. هذه الهيئة تراقب الأدبيات الدينية، وتوافق على تعيين أئمة المساجد، وتتأكد من عدم تسييس الخطاب الديني. منع الحجاب في المدارس يأتي ضمن هذه الحزمة من السياسات الاستباقية التي تهدف إلى هندسة مجتمع علماني منضبط لا مكان فيه للإسلام الحركي أو السياسي.
الخلاصة
إن منع الحجاب في المدارس الأذربيجانية لا يعكس تطبيقاً لمبادئ العلمانية الليبرالية التي تصون حقوق الأفراد وحرياتهم في التعبير عن معتقداتهم، بل هو تطبيق عملي لـ “العلمانية السلطوية”. في هذا النموذج، يُصبح فصل الدين عن الدولة مجرد آلية أمنية وسياسية تستخدمها الأنظمة الشمولية لاحتكار الفضاء العام، وإقصاء أي سردية دينية قد تتحول يوماً ما إلى قوة سياسية معارضة، وذلك تحت غطاء الحفاظ على الطابع العلماني للدولة.




