
تمثل أزمة سعر الصرف في العراق انعكاساً مباشراً للاختلالات الهيكلية المزمنة التي يعاني منها النموذج الاقتصادي الريعي منذ عقود. وأفاد تقرير تحليلي نشرته وكالة شفقنا العراق بأن تغيير قيمة العملة والاقتراض لا يعالجان جذور الأزمة المالية. فقد لجأت السلطات المالية إلى رفع سعر بيع الدولار للجمهور من 1320 إلى 1520 ديناراً لتوفير سيولة حسابية للخزينة. علاوة على ذلك، جاء هذا القرار تحت ضغط تراجع الإيرادات النفطية واضطراب حركة الصادرات في منطقة الخليج العربي. وتستعرض الدراسات الاقتصادية العراقية خطورة الاعتماد على المعالجات النقدية المؤقتة كبديل عن الإصلاح المالي والإنتاجي الشامل.
أزمة سعر الصرف وتمويل الإنفاق الحكومي المتضخم
يرتبط تفاقم أزمة سعر الصرف باتساع الفجوة بين النفقات التشغيلية المتصاعدة ومحدودية الإيرادات غير النفطية في الموازنة العامة. فالدولة تحصل عبر خفض قيمة الدينار على كتلة نقدية أكبر بالدينار مقابل عائداتها النفطية المقومة بالدولار الأمريكي. غير أن هذا الإجراء الحسابي لا يخلق ثروة حقيقية جديدة ولا يرفع القدرة الإنتاجية للقطاعات الصناعية والزراعية المحلية. وأوضح أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي خطورة هذا النهج المالي في تصريحه الصحفي قائلاً:
“إن تغيير سعر الصرف يحسن القدرة الحسابية على تمويل الإنفاق، لكنه لا يعالج الاختلالات الهيكلية وضعف الإنتاج المحلي.”
تآكل القوة الشرائية وارتفاع كلفة السلع المستوردة
ونتيجة لاعتماد السوق العراقية الواسع على الاستيراد، تنتقل كلفة خفض العملة فوراً إلى المستهلك النهائي عبر موجات غلاء متلاحقة. وبالإضافة إلى ذلك، يتضرر أصحاب المشاريع الصغيرة والصناعيون جراء ارتفاع تكاليف استيراد المواد الأولية وأجور النقل والتشغيل. ومن ناحية أخرى، يؤدي تراجع القوة الشرائية للمواطنين إلى ركود تجاري يقلص فرص العمل المتاحة في القطاع الخاص.
شروط الاستقرار المالي وتنويع مصادر الدخل الوطني
وفي المقابل، يؤكد الباحث الاقتصادي حسنين تحسين أن معالجة العجز تتطلب إصلاح إدارة الموارد العامة وضبط النفقات الجارية. فقد حذر صندوق النقد الدولي مراراً من تضخم فاتورة الأجور والتقاعد وضعف الجباية الضريبية خارج القطاع النفطي. ولذلك، فإن الخروج من دوامة الأزمات المالية يستلزم تحفيز الاستثمار الإنتاجي وتوطين الصناعات التحويلية والغذائية داخل البلاد. وهكذا، تبقى الحلول النقدية قاصرة عن تحقيق الاستقرار الاقتصادي ما لم تقترن بإصلاح هيكلي ينهي هيمنة الريعية النفطية.




