
أفادت مصادر سياسية مطلعة ووكالات أنباء دولية بأن حراك شباب تشرين يستعد لإحياء ذكرى الخامس والعشرين من أكتوبر. ويسعى الشباب المحتجون إلى تمديد اعتصامهم وانتظارهم في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد لرفع مطالبهم الوطنية المشروعة. وتتصدر هذه المطالب معاقبة قتلة ثوار تشرين، وتحسين الخدمات الأساسية وفي مقدمتها قطاع الكهرباء، وخفض سعر صرف الدولار. علاوة على ذلك، تأتي هذه التحركات الشعبية في وقت يمر فيه العراق والشرق الأوسط بمنعطف اقتصادي وأمني بالغ الخطورة. وتقدم التحليلات السياسية والاستراتيجية العراقية قراءة معمقة في موازين القوى المحيطة بهذا الحراك الشعبي ومخاطر انزلاقه نحو المواجهة.
حراك شباب تشرين وعجز الحكومة أمام أزمة الخليج ومضيق هرمز
يصطدم حراك شباب تشرين هذا العام بواقع اقتصادي معقد يجعل الحكومة العراقية عاجزة تماماً عن تقديم حلول آنية. فقد أدت الحرب المشتعلة في الخليج العربي واضطراب الملاحة وإغلاق مضيق هرمز إلى شلل مالي واسع في البلاد. وكشف تقرير نشرته منصة سي إن إن الاقتصادية أن خسائر العراق جراء الحرب الأمريكية الإيرانية بلغت نحو 60 مليار دولار. وأكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين حجم هذه الكارثة المالية وتأثيرها المباشر على الاقتصاد بقوله:
“إن استمرار الصراع الأميركي الإيراني خلّف خسائر اقتصادية كبيرة للعراق بلغت نحو 60 مليار دولار، وفاقم أزمة الطاقة والتضخم.”
أزمة سعر صرف الدولار وتفاقم عجز الموازنة والكهرباء
وبالإضافة إلى ذلك، أوضحت تقارير وكالة شفقنا العراق الاقتصادية أن الحكومة رفعت سعر بيع الدولار للجمهور من 1320 إلى 1520 ديناراً. ولجأت السلطات المالية إلى هذا الإجراء لتوفير سيولة نقدية مؤقتة لتغطية النفقات التشغيلية وسط تراجع الصادرات النفطية. ومن ناحية أخرى، أظهرت بيانات موازنة عام 2027 عجزاً مالياً يبلغ 43 تريليون دينار مع ارتفاع الدين الداخلي إلى 117 تريليوناً. وفي السياق ذاته، لا يزال قطاع الكهرباء يعاني من نقص إمدادات الغاز المستورد من إيران وتقلبات الصيانة والمستحقات المالية. ونتيجة لذلك، لا تمتلك حكومة بغداد أي أدوات مالية أو خدمية فورية للاستجابة لمطالب المحتجين في ساحة التحرير.
تناقض المطالبة بالمحاسبة ومخاطر التصفية في ساحة التحرير
تواجه المطالبة بمحاسبة قتلة المتظاهرين انسداداً سياسياً وقانونياً كاملاً نتيجة طبيعة التركيبة الحاكمة في بغداد حالياً. فالأطراف المتهمة بقمع حراك شباب تشرين منذ انطلاقه عام 2019 تمثل جزءاً أساسياً من بنية السلطة القائمة نفسها. بل إن بعض الشخصيات المرتبطة بتلك القوى السياسية والفصائلية باتت تشغل اليوم مناصب وزارية في كابينة رئيس الوزراء علي الزيدي. يضاف إلى ذلك الموقف الإيراني المعادي تاريخياً لانتفاضة تشرين، والذي اعتبر الحراك الشبابي تهديداً مباشراً لنفوذه الإقليمي في العراق.
تفعيل خطاب المؤامرة وتبرير قمع المتظاهرين السلميين
في ظل هذه المعطيات، فإن إطالة أمد بقاء الشباب في ساحة التحرير يحمل مخاطر أمنية جسيمة على حياتهم. إذ يخشى المراقبون أن يتحول المعتصمون السلميون إلى مشاريع تصفية وقتل مباشر على يد الأجهزة القمعية والفصائل الولائية المسلحة. وكما جرت العادة في الأزمات السابقة، تسارع هذه الفصائل إلى إلقاء اللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القمع. وتعمد الماكينة الإعلامية الولائية إلى تفعيل خطاب المؤامرة ضد المذهب والعقيدة والوطن، واتهام ثوار تشرين بالخيانة والعمالة للسفارات. وبناءً على ذلك الخطاب التحريضي، يجري نزع الصفة الوطنية عن الشباب المحتجين وتوفير الغطاء السياسي والأمني لتصفيتهم في الساحات.
غموض موقف التيار الصدري وهواجس التوظيف السياسي للحراك
من زاوية أخرى، يبرز العامل المرتبط بموقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وأتباعه كأحد أخطر المتغيرات في المشهد. فحتى هذه اللحظة، يظل موقف الصدر غير واضح تماماً تجاه تحركات الخامس والعشرين من أكتوبر في ساحة التحرير. ولا يوجد أي تعاون تنظيمي أو قنوات اتصال بين شباب تشرين المستقلين وبين قيادات أو قواعد التيار الصدري.
مخاوف تحويل دماء ومطالب الشباب إلى مطية للمكاسب الحزبية
يعيد هذا الغموض إلى الأذهان التجارب المريرة التي وثقتها تقارير شبكة الجزيرة الإخبارية حول تداخل القوى الحزبية في ساحات الاعتصام سابقاً. فقد شهدت موجات الاحتجاج السابقة تغلغلاً لمجاميع حزبية غيرت مسار التظاهرات قبل رفع الخيام وانسحاب الشباب المستقلين من الساحة. ولذلك، يتصاعد الاعتقاد في الأوساط التحليلية بأن مقتدى الصدر قد يستغل زخم شباب تشرين ومطالبهم العادلة في اللحظة المناسبة. إذ يمكن توظيف الغضب الشعبي في الشارع كورقة ضغط ومطية لتحقيق انتصارات ومكاسب سياسية خاصة بالصدر وأتباعه ضد خصومهم. وهكذا، يجد شباب تشرين أنفسهم اليوم بين مطرقة الفصائل الولائية التي تهددهم بالتصفية، وسندان القوى السياسية الساعية لركوب موجتهم الوطنية.




