
الاقتصاد العسكري في مصر وتحول نموذج الاستثمار
أفادت مراكز أبحاث اقتصادية ووكالات أنباء دولية بأن الاقتصاد العسكري في مصر شهد تحولاً هيكلياً عميقاً خلال السنوات الأخيرة. فقد كشف تحقيق استقصائي موسع نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment) للدكتور يزيد صايغ ولادة نموذج “رأسمالية المُلّاك”. ويقوم هذا النموذج الاقتصادي على استخراج الريع المالي عبر التحكم في أراضي الدولة وتأجيرها بدلاً من الإنتاج الصناعي. علاوة على ذلك، تحتفظ نحو مئة شركة عسكرية مسجلة بأنشطتها التجارية التقليدية لتعزيز شبكات الولاء داخل المؤسسة.
المدن الجديدة وفجوة الإشغال السكاني والبيئي
وفي السياق ذاته، أظهرت البيانات الموثقة أن الإنفاق العام يستحوذ على خمسة وسبعين بالمئة من إجمالي الاستثمارات الوطنية. وقد أثمر هذا التوجه عن تشييد تسع وأربعين مدينة جديدة، لا يتجاوز إجمالي سكانها مليوناً وسبعمئة ألف نسمة. وبالإضافة إلى ذلك، لا تتخطى نسبة الإشغال في مدينة “العلمين الجديدة” عشرين بالمئة حتى خلال ذروة الموسم الصيفي. بينما تسببت مشاريع التطوير الحضري في إزالة خمسة وتسعين بالمئة من المساحات الخضراء في القاهرة وتهجير مليوني مواطن. كما تحصل الجهات المشرفة على رسوم إدارة غير معلنة تتراوح بين خمسة وخمسة وثلاثين بالمئة من ميزانيات المشاريع.
التوسع الزراعي وتداعيات الديون على المجتمع
ومن ناحية أخرى، توسع الاقتصاد العسكري في مصر ليشمل القطاع الزراعي عبر جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”. إذ يدير هذا الجهاز التابع للقوات الجوية نصف الأراضي المزروعة في البلاد، ويخطط لزيادتها إلى اثني عشر مليون فدان. وقد فسر المتحدث الرئيسي في التقرير، الباحث في علم الاجتماع الريفي صقر النور، هذه الظاهرة الاقتصادية بقوله:
“لا تُستخرج القيمة المالية هنا عبر الزراعة أو تنظيم العمل، بل عبر الريع والتحكم في دخول السوق.”
تراجع حصة القطاع الخاص وارتفاع معدلات الفقر
وفي المقابل، أدى احتكار الائتمان المصرفي وإعفاء الشركات العسكرية من الضرائب إلى إضعاف قدرة القطاع الخاص والمزارعين الصغار. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة العمالة غير الرسمية إلى سبعة وستين بالمئة، ووصل معدل الفقر إلى خمسة وثلاثين بالمئة. علاوة على ذلك، لم تتجاوز نسبة المكون المحلي في الصناعات التحويلية أربعين بالمئة وفق أحدث التقارير الاقتصادية الإقليمية. وبناءً على ذلك، يواجه الاقتصاد العسكري في مصر اليوم تناقصاً حاداً في العوائد المالية مقابل تضخم التكاليف الغارقة. ولذلك، يخلص التحقيق إلى أن استمرار هذا النموذج الريعي يعمق ارتهان الخزينة المصرية للقروض والمساعدات الخارجية.
