محليات

قسم كابينة علي الزيدي في الميزان الفقهي: كيف تتحول التورية والتعريض إلى كذب حلال في السياسة العراقية؟

قراءة دينية وتحليلية في آليات الإيهام اللفظي بين الموروثين الشيعي والسني لتفريغ اليمين الدستورية من مضمونها الأخلاقي

قسم كابينة علي الزيدي وجدلية اليمين الدستورية

أفادت دراسات بحثية ومصادر أكاديمية مطلعة بأن قسم كابينة علي الزيدي أعاد الجدل حول مصداقية العهود السياسية في العراق. فقد أظهر استطلاع ميداني نشره المجلس الأطلسي للأبحاث (Atlantic Council) أن ستين بالمئة من العراقيين يرون الفساد منتشراً بقوة. علاوة على ذلك، أوضح تقرير موازٍ أصدره المجلس الأطلسي حول حكومة الزيدي أن المحاصصة الحزبية تتحكم في اختيار الوزراء. ونتج عن ذلك تساؤل جوهري حول التكييف الفقهي الذي يبيح للسياسي أداء اليمين الدستورية ثم مخالفتها عملياً.

ورغم اختلاف التسميات الفقهية بين المدارس الإسلامية، فإن المضمون اللغوي والنفسي يظل واحداً في تبرير هذا السلوك. حيث يلجأ المتكلم إلى استخدام ألفاظ تحتمل أكثر من معنى لإيهام السامع بشيء يخالف النية المضمرة، هرباً من الكذب الصريح. وفي هذا الإطار، يتحول مفهومان فقهيان تقليديان هما “التورية” و”التعريض” إلى أداة سياسية لتشريع ما يوصف بالكذب الحلال.

مفهوم التورية في الفقه الشيعي وتوظيف التقية

وفي السياق ذاته، يقوم مفهوم “التورية” في الفقه الإمامي على إطلاق لفظ يحمل معنيين مختلفين في ذهن المتلقي والمتكلم. يكون المعنى الأول قريباً وظاهراً يتبادر فوراً إلى ذهن السامع، لكن المتكلم لا يقصده في قرارة نفسه. أما المعنى الثاني فيكون بعيداً وخفياً، وهو الذي يقصده الحالف أو المتحدث باطنياً ليتفادى الوقوع في الكذب المباشر.

الحكم الفقهي للتورية وعلاقتها بالتقية السياسية

ومن ناحية أخرى، تُعد التورية في الفقه الشيعي مخرجاً شرعياً بديلاً عن الكذب الصريح عند غياب الضرورة القصوى. وتصنف هذه الآلية كأداة أساسية من أدوات مبدأ “التقية المذهبية”، الذي يُستخدم لمداراة الخصوم أو دفع الضرر المحتمل. وقد وثقت الموسوعة البريطانية (Britannica) هذا المفهوم الفقهي في تحليلها للأيمان المقترنة بالتحفظ الذهني قائلة:

“تُبرَّر الأيمان المؤداة مع إضمار التحفظ الذهني على أساس أن الله يحاسب الإنسان على ما يعتقده باطنياً.”

وبالإضافة إلى ذلك، حين ينتقل هذا المفهوم إلى العمل السياسي العراقي، فإنه يمنح المسؤول غطاءً لتأويل عبارات اليمين الدستورية. فعندما يقسم الوزير ضمن قسم كابينة علي الزيدي على حفظ المال العام، قد يضمر باطنياً خدمة حزبه أو طائفته.

مفهوم التعريض في الفقه السني وفلسفة المعاريض

وفي المقابل، يبرز في الفقه السني مفهوم موازٍ تماماً في آليته اللغوية، ويعرف تاريخياً وفقهياً باسم “التعريض” أو “المعاريض”. ويستند الفقهاء في تأصيل هذا المفهوم إلى المقولة التراثية المشهورة المتداولة في كتب الفقه والأدب:

«إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب».

حكم المعاريض وتطبيقاتها الاجتماعية والقضائية

ويقصد الفقهاء بالتعريض التلميح في الكلام وإيهام المخاطَب بمعنى معين يفهمه تلقائياً من سياق الحديث العام. بينما يقصد المتكلم في باطنه معنى آخر يبدو صحيحاً في ذاته لو فصل اللفظ عن سياقه الظاهري. ويبيح الفقه السني استخدام المعاريض عند وجود حاجة معتبرة أو مصلحة راجحة، دون اشتراط وقوع الإكراه الشديد. ونتيجة لذلك، استُخدمت هذه الرخصة الفقهية لتجاوز الحرج في المواقف الاجتماعية والخصومات، قبل أن تتسرب إلى الخطاب السياسي المعاصر.

الخلاصة التحليلية وميزان الأخلاق القرآنية

وبناءً على ذلك، يشترك المفهومان السني والشيعي في الآلية النفسية واللغوية ذاتها القائمة على توجيه ذهن المتلقي لفهم خاطئ. ويحتفظ المتكلم في الحالتين بما يظنه “براءة ذمة شكلية” أمام نفسه، بحجة أنه لم ينطق بلفظ كاذب صريح. ويكمن الفارق الجوهري بينهما في التوظيف التاريخي لكلا المفهومين داخل التراث الإسلامي. فبينما ارتبطت “التورية” في الموروث الشيعي بالجانب العقائدي والسياسي عبر بوابة التقية، بقي “التعريض” السني مرتبطاً بالمواقف الاجتماعية والقضائية.

ولكن توظيف هذه الحيل اللفظية في قسم كابينة علي الزيدي يصطدم صراحةً بالتحذير القرآني الحاسم من الأيمان الخادعة:

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [سورة النحل: 94].

ولذلك، فإن اليمين الدستورية عقد أمانة عامة مع الشعب تحمل ألفاظه على نية المستحلِف لا على التأويلات الباطنية للحالف. وهكذا، تبقى استعادة الثقة الشعبية مرهونة بصدق الأفعال والالتزام الصريح بالدستور، بعيداً عن مخارج التورية ومندوحة المعاريض.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى