
تاريخ فرنسا الاستعماري من عهد الكنيسة المظلمة إلى مقصلة الثورة
أفادت دراسات تاريخية ومصادر أكاديمية موثقة بأن تاريخ فرنسا الاستعماري تأسس عبر قرون طويلة على الصراعات والهيمنة.
وفي العصور المظلمة، تحالفت الملكية المطلقة مع الكنيسة الكاثوليكية لقمع المخالفين فكرياً وعقائدياً داخل البلاد.
علاوة على ذلك، وثقت الموسوعة البريطانية (Britannica) اندلاع ثماني حروب دينية طاحنة في فرنسا بين عامي 1562 و1598.
ونتج عن ذلك التطرف وقوع مذبحة “سانت بارثولوميو” الشهيرة في باريس يوم 24 أغسطس عام 1572.
وبالإضافة إلى ذلك، ألغى الملك لويس الرابع عشر “مرسوم نانت” في أكتوبر عام 1685.
ونتيجة لذلك القرار التعسفي، جُرِّد البروتستانت من كافة حقوقهم المدنية والدينية، واضطر أربعمئة ألف فرنسي للفرار.
ومن جهة أخرى، لم يجلب سقوط الملكية والكنيسة في الثورة الفرنسية عام 1789 السلام الموعود للشعب.
فقد انزلقت البلاد سريعاً نحو عهد الإرهاب الدموي بين سبتمبر 1793 ويوليو 1794 بقيادة ماكسيميليان روبسبيير.
وفي السياق ذاته، أعلن المتحدث الرئيسي باسم المؤتمر الوطني الفرنسي في الخامس من سبتمبر 1793 المرسوم التاريخي التالي:
“إن الإرهاب هو نظام اليوم، ويجب سحق كافة المعارضين للثورة والقضاء عليهم تماماً لكي تنجح الجمهورية.”
وبناءً على ذلك المرسوم، اعتقلت السلطات الثورية ثلاثمئة ألف مواطن، وأعدمت سبعة عشر ألفاً بالمقصلة علناً.
كما لقي أكثر من عشرين ألف سجين حتفهم داخل المعتقلات دون أي محاكمة قانونية عادلة.
ولذلك، فإن المرحلة التي سبقت وتلت إقرار العلمانية الفرنسية اتسمت بإقصاء الخصوم واستبدال استبداد الكنيسة بمقصلة الدولة.
ما بعد العلمانية واجتياح القارة الأفريقية تحت شعار التحضر
وفي المقابل، حين رفعت الجمهورية الفرنسية شعارات العلمانية وحقوق الإنسان، وظفتها كغطاء أيديولوجي لتوسيع تاريخ فرنسا الاستعماري خارجياً.
فقد أكدت أبحاث الموسوعة البريطانية حول غرب أفريقيا أن باريس قادت سباق تقسيم القارة السمراء منذ القرن التاسع عشر.
علاوة على ذلك، أسست باريس عام 1895 فيدرالية استعمارية شملت ثماني دول أفريقية، منها السنغال ومالي والنيجر.
وادعت الحكومات العلمانية المتعاقبة أنها تقوم “بمهمة حضارية”، بينما كانت تنهب المطاط والمعادن وتحتكر الأسواق الأفريقية قسراً.
وينطبق على هذا النهج الاستعماري الاستعلائي قول الله تعالى في القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة النمل: 34].
وبالإضافة إلى ذلك، تجلت أبشع صور تاريخ فرنسا الاستعماري في حرب الجزائر التحريرية التي استمرت حتى عام 1962.
حيث دفعت باريس بنحو خمسمئة ألف جندي لقمع الشعب الجزائري المطالب بحريته واستقلاله الوطني.
ونتيجة لذلك، ارتكبت القوات الفرنسية انتهاكات جسيمة ومجازر واسعة قبل أن تنتزع الجزائر استقلالها التاريخي بتضحيات جسام.
المشاركة العسكرية في العراق وأفغانستان.. متى كانت فرنسا عظيمة؟
ومن ناحية أخرى، استمر التدخل العسكري الخارجي في العصر الحديث عبر المشاركة في حروب الشرق الأوسط وآسيا.
فقد أشارت وثائق الموسوعة البريطانية حول حرب الخليج إلى إرسال فرنسا آلاف الجنود ضمن “فرقة داغيه” لاجتياح جنوب العراق.
حيث توغلت الدبابات الفرنسية عام 1991 داخل الأراضي العراقية وصولاً إلى نهر الفرات ضمن عمليات التحالف الدولي.
وفي السياق ذاته، كشفت دراسة استراتيجية صادرة عن معهد بروكينغز (Brookings) حجم التدخل العسكري الفرنسي في أفغانستان.
إذ نشرت باريس منذ أواخر عام 2001 نحو خمسة آلاف جندي وحاملة الطائرات “شارل ديغول” ومقاتلات حربية.
علاوة على ذلك، أوضحت تقارير حرب أفغانستان التاريخية أن ذلك الصراع الدولي خلف سبعة وأربعين ألف قتيل مدني.
وبناءً على ذلك السجل التاريخي الموثق في قسم صحافة ورأي، يبرز السؤال الجوهري: متى كانت فرنسا عظيمة؟
إن قراءة تاريخ فرنسا الاستعماري تثبت أن “العظمة” الفرنسية المزعومة لم تقم يوماً على السلام أو العدالة الإنسانية.
بل تأسست في عهد الكنيسة على محاكم القمع الديني، وفي عهد الثورة والعلمانية على المقصلة واستنزاف ثروات أفريقيا.
وهكذا، تظل العظمة التي تتغنى بها باريس في أخبار العالم مجرد إمبراطورية بُنيت على دماء الشعوب المستضعفة.




