
يتكرر سؤال يبدو منطقياً لدى الكثيرين: ما دخل علم فلسطين بتظاهرات الغرب ومنها حراكات فرنسا المطلبية أو احتجاجات الداخل الأمريكي؟ الإجابة تكمن في التحول الجذري لوعي المواطن الغربي (سواء من اليسار أو اليمين) تجاه من يدير العالم فعلياً،
وكيف تحولت الراية الفلسطينية إلى أيقونة عالمية للتمرد ضد جشع الشركات ولوبيات المال السياسي.
ويمكن القول إن حضور علم فلسطين في تظاهرات الغرب بات ظاهرة بارزة في السنوات الأخيرة.
جشع الشركات وأخلاقيات النخبة
يدرك الشارع في فرنسا اليوم، وفي أمريكا التي تسير على ذات الطريق،
أن تدمير الاقتصاد وتآكل الطبقة الوسطى هو نتيجة مباشرة لجشع الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار التي تدير الكوكب وتتلاعب بالسياسيين.
هذه المنظومة تحكمها أخلاقيات نفعية منغلقة تضع الربح فوق مصالح الشعوب،
وتدار في أغلب مفاصلها المالية والإعلامية من قِبل نخب تتبنى الصهيونية كعقيدة سياسية، أو تخضع لسيطرة اللوبيات الداعمة لها.
كما أن رفع علم فلسطين في تظاهرات الغرب يعتبر اليوم موقفًا رمزيًا من تلك السياسات.
صناعة الحروب والسيطرة بالديون: شواهد من التاريخ
يرى الغربيون أن التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، وما سبقه في غزة، والحرب الروسية الأوكرانية،
هي حلقات في معادلة تاريخية قديمة: إشعال الحروب لإغراق الدول في الديون والسيطرة على قرارها.
والتاريخ الغربي موثق بهذه الحقائق: وانتشرت رمزية علم فلسطين في تظاهرات الغرب كمثال على المقاومة الشعبية لهمجية تلك الحروب.
عصر المصارف الكبرى (القرن 19): منذ الحروب النابليونية في أوروبا، مولت العائلات المصرفية الكبرى (مثل عائلة روتشيلد وغيرها) الأطراف المتحاربة في آن واحد، وحولت “الدين العام” إلى طوق لإخضاع الحكومات الأوروبية لقرار الدائنين.
اعتراف الجنرال سميدلي بتلر (1935): أكد أرفع جنرالات المارينز في كتابه “الحرب هي عملية احتيال” أن الجيش الأمريكي استُخدم تاريخياً كـ “محصل ديون” لصالح بنوك “وول ستريت” وشركات السلاح.
تحذير الرئيس أيزنهاور (1961): حذر في خطاب وداعه الشهير من تغوّل “المجمع الصناعي العسكري” وتحالف تجار السلاح والمال مع السياسيين لإشعال حروب تخدم الأقلية الثرية على حساب الشعب.
العلم الفلسطيني: رمز لكسر الهيمنة الصهيونية
بالأدلة الميدانية والواقعية، يدرك الغربيون أن القضية الفلسطينية بمعناها الجغرافي التقليدي قد حسمت عملياً، وأن الفلسطينيين خسروا على الأرض مقومات الدولة أمام آلة مالية وعسكرية دولية كاسحة.
وهكذا، أصبح رفع علم فلسطين في تظاهرات الغرب دلالة أساسية على وعي شعبي متنامٍ بقضايا الحرية والتحرر.
لذلك، فإن رفع علم فلسطين في شوارع باريس أو نيويورك اليوم ليس مجرد عاطفة لنصرة قضية خارجية، بل لأن العلم أصبح رمزاً عالمياً لمناهضة الصهيونية العالمية التي تدعم جشع الأثرياء. إنه إعلان تمرد من الشعوب الغربية ضد طبقتها السياسية الفاسدة،
التي تفرض الضرائب والتقشف على مواطنيها، بينما تفتح خزائنها بلا حساب لتقديم مصالح إسرائيل وحيتان المال على مصالح شعوبها.
إن حضور علم فلسطين في تظاهرات الغرب يعبّر، أيضاً، عن تطلع الشعوب للحرية والانعتاق من الهيمنة السياسية.




