
يمثل انسحاب القوات الأمريكية من العراق نقطة تحول تاريخية واستراتيجية تطوي أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأمريكي المباشر في البلاد.
فبحسب التقرير التحليلي الصادر عن معهد السياسة التقدمية (Progressive Policy Institute) في واشنطن،
غادر آخر الفوج العسكري البالغ قوامه 2500 جندي أمريكي مواقع تمركزه في مدينة أربيل،
ليعلن بذلك انتهاء المهام الميدانية لعملية «العزم الصلب» داخل الأراضي العراقية، وهي المهمة التي انطلقت عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش.
علاوة على ذلك، استقبلت الأوساط الرسمية والشعبية هذا الحدث بمشاعر متباينة؛
إذ نظمت الحكومة العراقية احتفالات رسمية امتدت لثلاثة أيام تحت شعار «يوم السيادة» ابتهاجاً باستعادة القرار الأمني الوطني الكامل.
وفي المقابل، سادت حالة من الترقب والحذر بين شرائح واسعة من المواطنين والمراقبين المتابعين لملف أخبار العراق، لا سيما مع استحضار ذكريات عام 2011 حينما أدى الخروج العسكري السابق،
مقترناً بضعف الحوكمة الأمنية آنذاك، إلى ظهور فراغ أمني استغلته الجماعات المتطرفة للسيطرة على مساحات واسعة من البلاد.
تداعيات انسحاب القوات الأمريكية من العراق على التوازن الإقليمي
وفي السياق ذاته، أوضحت دانييل ستايتز، مديرة سياسات الأمن القومي في المعهد الأمريكي،
أن استكمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق يضع المسؤولية الأمنية كاملة على عاتق المؤسسات العسكرية العراقية.
ونتيجة لذلك، سيتعين على قوة المهام المشتركة لعملية «العزم الصلب» مواصلة مهامها في مراقبة فلول التنظيمات المتطرفة من مقر قيادتها الإقليمي الجديد الذي انتقل إلى المملكة الأردنية الهاشمية.
من جهة أخرى، يواجه صانع القرار في بغداد تحدياً داخلياً معقداً يتمثل في كيفية ضبط إيقاع الفصائل المسلحة الحليفة لطهران،
والتي تنظر إليها إيران بوصفها شريكاً محورياً في صراعها الإقليمي الدائر مع الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. وبناءً على ذلك،
يرى الخبراء في واشنطن أن اتفاق الجدولة الزمنية الذي صيغت تفاهماته الأولية منذ عام 2024 يعكس رغبة أمريكية ثنائية الحزب في إنهاء إرث «الحروب الأبدية»،
غير أن نجاح التجربة العراقية بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق سيظل مرهوناً بقدرة الدولة على فرض سيادة القانون وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية ومنع انزلاق البلاد إلى أتون الصراعات الإقليمية المحتدمة.




