
عند مقارنة رجالات الدولة في بدايات التأسيس (العهد الملكي) بما نراه اليوم، نجد أننا لا نقارن بين أشخاص فحسب، بل بين منظومتين وقيمتين سياسيتين مختلفتين تماماً. الصورة المرفقة تقدم مثالاً حياً لهذا التباين بين شخصية “رشيد عالي الكيلاني” عام 1925، والواقع السياسي الحالي في 2025.
1. معيار “المؤهلات” والتحصيل:
في الماضي، كان الوصول إلى منصب سياسي رفيع يمر عبر مسار أكاديمي ومهني طويل (حقوق، قضاء، محاماة). كانت الدولة تُبنى بعقول قانونية تدرك معنى “الدستور” و”المؤسسات”. اليوم، نجد أن المعيار الأساسي للانتقال إلى واجهة العمل السياسي قد انزاح من “الكفاءة العلمية والخبرة القانونية” إلى “الانتماء المذهبي أو العشائري”، مما أدى إلى تراجع لغة المؤسسات لصالح لغة المكونات.
2. المسيرة السياسية والتراكم:
شخصيات الرعيل الأول تدرجت في وظائف الدولة (وزير عدل، رئيس ديوان، وزير داخلية) قبل الوصول إلى قمة الهرم، مما يعني وجود “ذاكرة مؤسساتية”. أما اليوم، فالمسيرة السياسية غالباً ما ترتبط بالولاءات الحزبية والتحالفات الانتخابية العابرة، حيث يصبح المنصب “حصة” طائفية أو سياسية أكثر من كونه مسؤولية وطنية تتطلب تدرجاً وخبرة.
3. مفهوم “المنجز” وقيمة الخطاب:
في 1925: كان المنجز يُقاس بتشريع القوانين الأولى، بناء المؤسسات السيادية، والبحث عن الاعتراف الدولي (عصبة الأمم)، مع محاولة الموازنة بين المصالح الدولية والسيادة الوطنية.
في 2025: نلاحظ انحداراً في مستوى الخطاب السياسي، حيث غابت الاستراتيجيات الكبرى وحلت محلها “الشعبوية” والعبارات التي تفتقر للعمق السياسي أو الثقافي، كما هو موضح في المقارنة الساخرة بالصورة.
الخلاصة:
إن الفجوة بين 1925 و2025 ليست مجرد فارق زمني، بل هي “فجوة جودة”. إن الانتقال من دولة “القانون والمؤسسات” إلى دولة “المحاصصة والولاءات” هو السبب الرئيس في تدهور حال العراق وتراجع ثقل شخصياته السياسية على المستويين الداخلي والخارجي.




